الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 239 ] وبرئ بتسليمه له ، وإن بسجن ، [ ص: 240 ] أو بتسليمه نفسه ، إن أمره به ، إن حل الحق ، وبغير مجلس الحكم ، إن لم يشترط ، وبغير بلده ، إن كان به [ ص: 241 ] حاكم ولو عديما ، وإلا أغرم بعد خفيف تلوم ، إن قربت غيبة غريمه : كاليوم

التالي السابق


( وبرئ ) ضامن الوجه ( بتسليمه له ) أي المضمون للمضمون له زاد في المدونة بمكان فيه حاكم ، وإما مكان لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو مفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع لم يبرأ أفاده تت ، ويبرأ بتسليمه في مكان يقدر على تخليص حقه منه فيه إن كان بغير سجن ، بل ( وإن ) سلمه له ( بسجن ) بكسر السين أي محل مسجون فيه .

قال في المدونة لأنه يسجن له بعد تمام ما حبس فيه . الباجي سواء كان سجنه في دم أو غيره ، ويكفي قوله برئت منه إليك وهو في السجن فشأنك به كان سجنه في حق أو تعديا . اللخمي ولو تعديا . ابن عرفة في التعدي نظر لأنه مظنة لإخراجه برفع التعدي عنه فلا يمكن منه ، وفيه نظر ، لإمكان محاكمته في الحين ، فإن منع منه جرى مجرى موته ، ففي التوضيح اللخمي والمازري سواء سجن بحق أو باطل لإمكان محاكمته عند القاضي الذي حبسه ، فإن منع هذا الطالب منه ومن الوصول إليه فيجري ذلك مجرى موته ، وموته يسقط الكفالة .

( فرع ) إن أحضره بزاوية لا يمكن إخراجه منها ، فالذي وقع به الحكم والعمل أنه كإحضاره يبرأ به ، قال في نظم العمليات :

وضامن مضمونه قد أحضر بموضع إخراجه تعذرا يكفيه ما لم يضمن الإحضار له
بمجلس الشرع بتلك المنزله

[ ص: 240 ] ا هـ . بناني ( أو بتسليمه ) أي المضمون من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله ( نفسه ) أي المضمون للمضمون له فيبرأ الحميل به كما في المدونة ، وزاد في الموازية ( إن أمره ) أي الضامن المضمون ( به ) أي تسليمه نفسه للمضمون له لأنه كوكيله فإن سلم نفسه بدون أمره فلا يبرأ الضامن به ، ولو قال سلمت نفسي نيابة عمن تحمل بي كما لو سلمه أجنبي بدون أمر الضامن على المشهور فيهما . ابن عرفة في الموازية إذا لم يرد الطالب قبوله حتى يسلمه له الحميل ولو قبله برئ كمن دفع دينا عن أجنبي للطالب أن لا يقبله إلا بتوكيل الغريم ، وله قبوله فيبرأ ، زاد الصقلي عن محمد إن أنكر الطالب كون الحميل أمره بتسليمه نفسه ، فإن شهد به أحد برئ الحميل . وفي الشامل لو أنكر الطالب أمره له برئ إن شهد له به أحد .

وشرط براءة الحميل بتسليم المضمون ( إن حل الحق ) المضمون به إذ لا فائدة في إحضاره قبل حلوله قاله المازري وغيره عج أي على الغريم كما في الشرح ، ولو كان مؤجلا على الضامن بأن أخره وحلف أنه لم يقصد به تأخير الغريم ، قاله بعض شيوخنا ، وكأنه رأى أن ضامن الوجه كضامن المال في هذا ( و ) برئ بتسليمه ( بغير مجلس الحكم إن لم يشترط ) المضمون له على الضامن تسليمه بمجلس الحكم ، فإن اشترطه فلا يبرأ إلا بتسليمه به قاله في الكافي ، ولو أحضره في مجلس الحكم فوجد المضمون له غائبا فلا يبرأ لعدم التسليم إلا أن يشترط الضامن سقوط الضمان عنه بإحضاره لو لم يجده ولا وكيله لكنه يشهد على إحضاره ، ويبرأ على أحد القولين ، وظاهره سواء بقي مجلس الحكم بحاله أو خرب ولم تجر فيه الأحكام ، وهو كذلك على المشهور قاله تت عب فإن خرب وانتقل العمران لغيره ففيء براءته بإحضاره فيما خرب وعدمها قولان مبناهما مراعاة اللفظ أو المعنى ذكره في التوضيح .

( و ) برئ بتسليمه له ( بغير بلده ) أي الاشتراط المفهوم من يشترط ( إن كان به ) [ ص: 241 ] أي بلد التسليم ( حاكم ) شرعي يخلص الحق ، فإن لم يكن به حاكم فلا يبرأ به ، وقيل لا يبرأ به حكاهما عبد الحكم المازري وهذا الخلاف يجري عندي على الخلاف في الشرط الذي لا يقيد . ابن عبد السلام قد يكون هذا الشرط مقيدا بأن كان البلد المشترط إحضاره فيه موضع سكنى البينة ، أو كان الحق غير معين وللطالب غرض في أخذه في محل الاشتراط . ابن عرفة ولو شرط إحضاره ببلد فأحضره بغيره حيث تناله الأحكام ، ففي براءته بإحضاره فيه قولان حكاهما ابن عبد الحكم ، ويفهم مما ذكر براءته بالأحرى إذا لم يشترط إحضاره ببلد معين وأحضره في غير بلد الضمان مما يأخذه الحكم فيه وهذه مسألة المدونة ، والله أعلم .

وإذا أحضره برئ إن كان مليا بل ( ولو ) كان ( عديما ) هذا هو المشهور ، وأشار بولو إلى قول ابن الجهم وابن اللباد لا يبرأ بإحضاره عديما ( وإلا ) أي وإن لم يبرأ الحميل بوجه مما تقدم ( أغرم ) بضم الهمز وكسر الراء الضامن الحق المضمون فيه ( بعد خفيف ) أي يسير ( تلوم ) بفتح الفوقية وضم الواو مشددة أي تأخير ( إن قربت غيبة غريمه ) أي مضمون الضامن ( كاليوم ) وأدخلت الكاف يوما آخر ، فإن بعدت أغرم بلا تلوم ومقتضى كلامه عدم التلوم إذا حضر الغريم ، والذي في المدونة التلوم في حضوره أيضا .

فلو قال إن حضر أو قربت غيبته لوفى بما فيها والتلوم موكول إلى اجتهاد الحاكم ، ولو أداه إلى أمد أكثر من مدة الخيار على الظاهر




الخدمات العلمية