الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن اشتهر ميت بدين ، أو علم وارثه وأقبض : رجع عليه ; [ ص: 44 ] وأخذ مليء عن معدم : ما لم يجاوز ما قبضه ، ثم رجع على الغريم ، وفيها البداءة بالغريم ، وهل خلاف ، أو على التخيير ؟ تأويلان :

التالي السابق


( وإن اشتهر ميت بدين ) عليه ( أو ) لم يشتهر به و ( علم وارثه ) لولا الدين أو وصيه بأنه مدين لغير الحاضرين ( وأقبض ) الوارث أو الوصي التركة للغرماء الحاضرين ، أو قبضها الوارث لنفسه ، أو أقبضها له الوصي ثم طرأ غريم ( رجع ) الغريم الطارئ ( عليه ) أي الوارث أو الوصي المقبض لغيره أو القابض لنفسه بما يخصه لتعديه بالإقباض [ ص: 44 ] أو القبض بالشهرة أو العلم ( وأخذ ) بضم الهمز وكسر الخاء المعجمة وارث ( مليء عن ) وارث ( معدم ) وحاضر عن غائب وحي عن ميت ( ما لم يجاوز ) بجيم وزاي ، أي يتعد دين الطارئ ( ما ) أي القدر الذي ( قبضه ) الوارث المليء المرجوع عليه لنفسه بأن نقص عنه أو ساواه ، فإن جاز دين الطارئ ما قبضه الوارث المليء لنفسه رجع عليه الطارئ بما قبضه فقط ، وكذا يقال في الإقباض ، ويحتمل أن فيه احتباكا بحذف أو قبض عقب " أقبض " بدليل ما قبضه وحذف أو أقبضه عقب قبضه بدليل أقبض الأول ، ويرجع ببقية دينه على بقية الورثة ، وتقدم في الغرماء لا يؤخذ مليء عن معدم وفرق بمساواة الغرماء الطارئ في الاستحقاق والوارث لا يستحق إلا ما فضل عن الدين . ( ثم ) إذا غرم الوارث المقبض مع الشهرة أو العلم ( رجع ) الوارث ( على الغريم ) الذي قبض منه أولا ، قاله مالك " رضي الله عنه " في كتاب المديان من المدونة ( وفيها ) أي المدونة أيضا عن ابن القاسم ( البداءة ) في الرجوع ( بالغريم ) الذي قبض من الوارث أولا ، أي يرجع الطارئ أولا عليه بما يخصه لو حضر ، فإن وجده عديما رجع على الوارث بما يخصه ثم يرجع الوارث على الغريم الأول .

( وهل ) بينهما ( خلاف أو ) هما محمولان ( على التخيير ) للطارئ في الرجوع على الوارث أو الغريم ، في الجواب ( تأويلان ) الأول للخمي ، والثاني لابن يونس . ( تنبيهات )

الأول : طفي قوله وإن اشتهر ميت بدين إلخ المسألة مفروضة في المدونة وغيرها فيمن ترك مالا يفي بديونه ، والتفصيل فيه أما من ترك وفاء وقضى الوصي أو الوارث بعض غرمائه ثم تلف ما بقي فليس للباقين رجوع على من قبض من الغرماء بشيء ، إذ فيما بقي [ ص: 45 ] وفاء بدين الباقين قاله في المدونة . وهل للباقين رجوع الوارث فيه تفصيل ، ذكره أبو الحسن في شرحها ، ونصه اللخمي ضياع البقية على ثلاثة أقسام إن أمسكها الوارث لنفسه وهو عالم بدين الطارئ ضمنها مطلقا ، وكذا إن لم يعلم ولم تقم بينة على ضياعها وإن قامت فلا يضمنها . وقال أشهب يضمنها مطلقا على أصله في ضمان ما يغاب عليه من الرهن والعارية . اللخمي والأول أصوب وإن أوقفها للغريم فلا يضمنها ، واختلف هل مصيبتها ممن وقفت له قاله أشهب ، أو من الميت قاله مالك وابن القاسم " رضي الله عنه " . ا هـ . فالراجح أنها من الميت وهذا لا يعارض قوله الآتي وإن تلف نصيب غائب إلخ لأنه فيما عزله القاضي من مال المفلس كما في المدونة ؟ الثاني طفي قوله وأخذ مليء إلخ هذا خاص بالوارث القابض لنفسه لا بقيد الشهرة أو العلم بل مطلقا كما قرره " س " وكذا في المدونة وابن شاس وابن الحاجب وغيرهم ، ولا يعارضه ما يأتي في القسمة من قوله ومن أعسر فعليه إن لم يعلموا لأنه معترض كما نبه عليه الحط هناك ، فتعميم " ج " كلام المصنف في الوارث القابض والمقبض قائلا في قوله ما لم يجاوز ما قبضه أو أقبضه تكلف بلا مساعد له نقلا .

الثالث : " غ " اشتمل كلام المصنف على ثلاثة أقسام : الأول طرو الغريم على الغرماء ، وهو المراد بقوله وإن ظهر دين أو استحق مبيع وإن قبل فلسه رجع بالحصة . الثاني طروء الوارث على الوارث أو الموصي على الموصى له ، وهو المراد بقوله كوارث أو موصى له على مثله . الثالث طرو الغريم على الوارث والوارث ضربان مقبض لغيره من الغرماء وقابض لنفسه ، وقد أشار إلى الوارث المقبض بقوله وإن اشتهر ميت بدين أو علم وارثه وأقبض رجع عليه وإلى الوارث القابض بقوله وأخذ مليء عن معدم ما لم يجاوز ما قبضه ، وباقي كلامه خاص بالوارث المقبض . فإن قلت فأي قرينة تصرفه للمقبض دون القابض .

قلت ذكر الرجوع على الغريم يعين ذلك ، فإن الدافع هو المقبض دون القابض . بالله تعالى التوفيق .

الرابع : البناني قول " ز " يمكن أن يكون في كلامه احتباك إلخ ، هذا الوجه غير [ ص: 46 ] صحيح أيضا كالذي قبله لاقتضائه أيضا إن أخذ المليء عن المعدم في الوارث القابض لنفسه مشروط بالشهرة أو العلم وليس كذلك كما ذكرناه .

الخامس البناني قوله وأخذ مليء عن معدم ما لم يجاوز ما قبضه الصواب أنه مقحم هنا كما في " ق " و " غ " ، وأن قوله ورجع على الغريم يوصل بقوله رجع عليه لأن قوله وأخذ مليء إلخ خاص بالوارث القابض لنفسه لا يقيد الشهرة أو العلم ، بل مطلقا كما تقدم في كلام طفي .




الخدمات العلمية