الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن أقام أحدهم رحى إذ أبيا ، فالغلة لهم ، ويستوفي منها : ما أنفق

التالي السابق


( وإن ) اشترك جماعة في رحى وخربت ف ( أقام ) أي أصلح ( أحدهم ) أي الشركاء ( رحى ) مشتركة بينهم ( إذ ) بسكون الذال أي حين ( أبيا ) أي امتنع شريكاه فيها من إصلاحها معه ( فالغلة ) للرحى بعد إصلاحها ( لهم ) أي الشركاء بحسب أنصبائهم فيها ( ويستوفي ) مقيمها ( منها ) أي الغلة ( ما ) أي المال الذي ( أنفق ) هـ مقيمها في إقامتها أولا ، ثم تقسم غلتها بينهم . الحط هذا خلاف ما قدمه ابن الحاجب ورجحه ابن رشد ونص ابن الحاجب ، وإذا انهدمت الرحى المشتركة فأقامها أحدهم إذ أبى الباقي فعن ابن القاسم الغلة كلها لمقيمها ، وعليه أجرة نصيبهم خرابا ، وعنه أيضا يكون شريكا في الغلة بما زاد بعمارته ; فإن كان قيمتها عشرة وبعد عمارتها خمسة عشر فله ثلث غلتها بعمارته وباقيها بينهم ومن أراد أن يدخل معه يدفع له ما ينوبه من قيمتها ذلك اليوم ، وقيل الغلة بينهم ويستوفي منها ما أنفق ا هـ . ونص ابن رشد بعد ذكره المسألة وما فيها من الخلاف فتحصل فيها ثلاثة أقوال ، أحدها : أنه يحاصص بالنفقة في الغلة انهدمت الرحى أو انخرق سدها . والثاني : أنه لا يحاصص بها فيها في الوجهين . والثالث : الغلة بينهما وكلها مروية عن ابن القاسم . وعلى أنه لا يحاصص بها فيها في الغلة ثلاثة أقوال ، أحدها : كلها للعامل إلا أن يريد شريكه الدخول معه ، ويأتيه بما يجب عليه ، ولا كراء عليه في حظ شريكه من الرحى فهي بمنزلة بئر غار ماؤها أو انهدمت ناحية منها فأراد أحد الشريكين العمل وأبى صاحبه فقيل لمن أبى اعمل معه أو بع ممن يعمل فأبى وخلى بينه وبين العمل وحده فالماء كله للعامل حتى يدفع له نصيبه من النفقة فكذلك الرحى ، وهو قول ابن القاسم ، ووجه قوله لا كراء عليه لحظ شريكه من الرحى أنها لا كراء لها ما دامت مهدومة ، وإنما صار لها الكراء بإصلاحها . [ ص: 308 ]

والثاني : أن الغلة للعامل وعليه كراء حصة شريكه من الرحى وهو قول عيسى ، ووجهه أنها تكرى لمن يعمرها وقد عمرها العامل وانتفع بها فوجب عليه حصة شريكه من كرائها ، وهو أظهر والله أعلم ، فلا خلاف بين قول عيسى وقول ابن القاسم إلا فيما ذكر من كراء نصيب الآبي .

والثالث : أن الغلة بينهما ولغير العامل يقدر حظه من الرحى خربة وللعامل بقدر حظه منها أيضا ويقدر عمله إلى أن يريد شريكه الدخول معه ويأتيه بما وجب عليه فيما عمل . ا هـ . ونقله ابن عرفة ، وقال بعده لا يخفى على من فهم هذا التحصيل إجمال كلام ابن الحاجب . الحط واعتمد المصنف هنا على قوله في التوضيح ناقلا عن أن عبد السلام أثر كلام ابن الحاجب ، والقول الثالث مروي عن ابن القاسم أيضا وهو قول ابن الماجشون ، وبالثاني قال ابن دينار . ابن عبد السلام والثالث أقواها عندي . وفي الثاني إلزامهم الشراء منه بغير اختيارهم أو انفراده بأكثر الغلة عنهم وهو أقوى من الأول لاستلزامه حجر ملكهم عنهم ، ولم يجعل لهم إلا أجرة الخراب . فإن قيل الثالث ضعيف أيضا لأن متولي النفقة أخرج من يده ما أنفق دفعة واحدة ويأخذه من الغلة مقطعا ، قيل هو الذي أدخل نفسه في ذلك اختيارا ، ولو شاء لرفعهم إلى القاضي فحكم عليهم بما قاله عيسى عن مالك إما أن يسلموا أو يبيعوا ممن يصلح والله أعلم .




الخدمات العلمية