الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 370 - 374 ] ولكل : فسخه قبل عمله : كربه ، وإن تزود لسفر ولم يظعن ، [ ص: 375 ] وإلا فلنضوضه ، وإن استنضه : فالحاكم

التالي السابق


( ولكل ) من رب المال وللعامل ( فسخه ) أي القراض ( قبل ) الشروع في ( عمله ) أي القراض على المعروف لأنه عقد غير لازم الحط نحوه لابن الحاجب في التوضيح أي رده والرجوع عنه وإذا كان العقد غير لازم ، فلا يطلق عليه الفسخ إلا بطريق المجاز ، وشبه في التمكين من الفسخ فقال ( كربه ) أي القراض فله فسخه ( إن تزود ) بفتحات مثقلا ، أي اشترى العامل الزاد للسفر من مال القراض . " غ " كذا كتبه بعضهم بإسقاط واو النكاية لئلا يكون فيه بعض تكرار ( ولم يظعن ) أي يشرع العامل في السفر من بلده .

ومفهومه أنه إن ظعن فلا يجوز لأحدهما فسخه للزومه حينئذ . فيها للإمام مالك " رضي الله عنه " لرب المال رده ما لم يعمل العامل به أو يظعن به لسفر وإن ابتاع به سلعا وتجهز يريد بعض البلدان فنهاه ربه أن يسافر به فليس له أن يمنعه بعد شرائه لأنه يبطل عمله كما لو اشترى سلعا فأراد رب المال أن يبيع ذلك مكانه فليس له ذلك وينظر السلطان فيؤخر منها ما يرجى له سوق لئلا يدع عمل العامل باطلا .

محمد لو اشترى مثل الزاد والسفرة فإن رضي رب المال يأخذ ذلك بما اشتراه فذلك له . ابن الحاجب ومثل الزاد والسفرة لا يمنع . ابن عبد السلام ظاهر كلامه إن عدم المنع من الجانبين وأنه إذا اشترى العامل من المال مثل السفرة والزاد يريد السفر بالمال ثم طلب هو أو رب المال الانحلال من القراض كان ذلك له ، والذي ذكره ابن المواز أن رب المال إذا طلب الانحلال حينئذ يمكن منه ، ولم يقل إن العامل إذا أراد الانحلال يمكن منه لأن الضرر في هذه المسألة مقصور على رب المال ، [ ص: 375 ] فإذا رضي برد السفرة والزاد فلا يكون للعامل عليه مقال إذ لا ضرر عليه ، وإذا طلبه العامل وامتنع رب المال كان له الامتناع لما يلحقه من ذهاب بعض رأس ماله المصروف في الزاد والسفرة ابن عرفة لفظ الموازية لو اشترى مثل الزاد والسفرة ، فإن رضي رب المال بأخذ ذلك بما اشتراه فذلك له إذا ثبت هذا ، فإن زعم ابن عبد السلام أن كلام ابن الحاجب يدل على أن للعامل حله بإلزامه ربه بأخذ الزاد والسفرة بثمنها من رأس ماله فليس كذلك ، وما ذكره من ضرر رب المال إنما يلزم بحمل كلام ابن الحاجب على ذلك . ومعنى كلام ابن الحاجب أن للعامل حله لدفعه لربه ثمنهما كما كان ذلك لربه ، وإذا كان هذا لربه كان للعامل أحرى .

بيان الأحروية أن ثبوت ذلك لربه يدخل على العامل تصيير تكلفه شراء الزاد والسفرة مجانا ، وثبوته للعامل بغرم ثمنه لا يدخل على رب المال ضررا بحال . ا هـ . ونحوه في أبي الحسن ، فإنه لما نقل كلام محمد كما نقله ابن عرفة ، قال وكذلك ، إذا أراد العامل رد المال بعد أن أنفق في الزاد فله أن يغرم ذلك ويرد المال ا هـ .

وكأن المصنف لم يقف على كلامه على أنه تنازل لما قاله ابن عرفة وأبو الحسن ، فإنه لما تورك على ابن الحاجب بقوله والذي في الموازية أن ذلك لرب المال فقط ، ولا يصح القياس لأنا لو جعلنا للعامل الانحلال لضر ذلك برب المال بسبب ما صرف من ماله في السفرة والزاد ، اللهم إلا أن يحسب العامل ذلك على نفسه ويرد الثمن الذي اشترى ذلك به ، لكن كلام المصنف لا يؤخذ منه هذا .

( وإلا ) أي وإن شرع العامل في العمل أو ظعن في السفر ( ف ) يلزمهما الصبر ( لنضوضه ) أي صيرورة المال ناضا دنانير أو دراهم ببيع السلع بها وقبضها فليس لأحدهما فسخه حتى يرجع عينا .

( وإن استنضه ) أي طلب رب المال بيع السلع بالدنانير أو الدراهم ليأخذها من العامل وأبى العامل البيع في الحال وطلب التأخير ( فالحاكم ) ينظر فيه ، فإن رأى تأخيره مصلحة حكم به وإلا أمره ببيعها حالا بلا تأخير . فيها للإمام مالك رضي الله تعالى عنه [ ص: 376 ] ليس لرب المال جبر العامل على بيع سلع قراضه لأخذ رأس ماله ، وينظر الإمام فيها ، فإن رأى وجه بيعها عجله وإلا أخره إلى إبان سوقها كالحبوب تشترى في الحصاد وترفع إبان لإنفاقها والضأن تشترى قبل أيام النحر وترفع ليومه . اللخمي وكذا العامل إن أراد تعجيل بيعها وأباه ربها .




الخدمات العلمية