الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4530 ص: وقد صرف ذلك سعيد بن المسيب إلى خلاف المعنى الذي صرفه إليه أهل المقالة الأولى:

                                                حدثنا أبو بشر الرقي ، قال: ثنا أبو معاوية الضرير ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه قال: "قلت لسعيد بن المسيب: : أين تعتد المطلقة ثلاثا؟ فقال: في بيتها، فقلت له: أليس قد أمر رسول الله -عليه السلام- فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، ؟ فقال: تلك امرأة أفتنت الناس واستطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها رسول الله -عليه السلام- أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، ، وكان رجلا مكفوف البصر".

                                                فكان ما روت فاطمة بنت قيس عن رسول الله -عليه السلام- من قولها: "لا سكنى لك ولا نفقة" لا دليل فيه عند سعيد بن المسيب أن لا نفقة للمطلقة ثلاثا ولا سكنى؛ إذ كان قد صرف ذلك إلى المعنى الذي ذكرناه عنه.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد صرف معنى حديث فاطمة بنت قيس سعيد بن المسيب إلى خلاف المعنى الذي صرفه إليه أهل المقالة الأولى الذين قالوا: لا نفقة ولا سكنى للمطلقة ثلاثا. حاصل ذلك: أن سعيد بن المسيب أيضا لم يعمل بحديث فاطمة، ألا ترى أنه قال: تعتد في بيتها حين سأله ميمون بن مهران الجزري؟

                                                [ ص: 123 ] أخرجه عن أبي بشر: عبد الملك بن مروان الرقي ، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير روى له الجماعة، عن عمرو بن ميمون أبي عبد الرحمن الرقي روى له الجماعة، عن أبيه ميمون بن مهران أبي أيوب الجزري وثقه النسائي، وقال أحمد : أوثق من عكرمة. وروى له الأربعة.

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا جعفر بن برقان، قال: ثنا ميمون بن مهران قال: "قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: لفاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها، قال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس؛ لأنها كانت لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى".

                                                قوله: "أفتنت الناس" وفي رواية أبي داود: "فتنت" بدون الهمزة، وكلاهما لغة، والأكثر بدون الهمزة.

                                                قوله: "على أحمائها" جمع "حم" وهم أقارب الزوج، وأصله حمو، وفي الحديث: "ألا حموها الموت" وفي رواية "ألا إن الحمو الموت" كذا بضم الميم وسكون الواو، وهذا كما قال: الأسد: الموت، أي في لقائه الموت، أو لقاؤه مثل الموت لما فيه من الغرر المؤدي إلى الموت، وكذلك الخلوة بالحمو وقيل: معناه: فليمت ولا يفعله، وقيل: لعله إنما قال: "الحمو الموت" لما فيه من أحرف الموت؛ فإن فيه الحاء والميم، وهما من الحمام الذي هو الموت، وهو ضعيف، والآخال: أقارب المرأة، والصهر تجمع الأصهار والأختان.

                                                قوله: "فكان مما روت فاطمة ... " إلى آخره تفسير لقوله: "وقد صرف ذلك سعيد بن المسيب ... " إلى آخره.

                                                وقوله: "لا دليل فيه" خبر كان.

                                                [ ص: 124 ] قوله: "إذ كان قد صرف" أي حين كان سعيد بن المسيب صرف ذلك أي معنى حديث فاطمة إلى المعنى الذي ذكرناه عنه، وهو قوله: "تلك امرأة أفتنت الناس" وإنما قال: هذا حين عارضه ميمون بن مهران بحديث فاطمة بنت قيس حين قال له سعيد بن المسيب: "تعتد في بيتها" وأراد أن السبب في أمر رسول الله -عليه السلام- فاطمة بالانتقال إلى بيت ابن أم مكتوم إنما كان لكونها قد استطالت بلسانها على أحمائها، فأمرها بالانتقال؛ فأمرها بالنقلة لأنها كانت لسنة أي طويلة اللسان، وقال الله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- في تأويله: أن تستطيل على أهلها فيخرجوها، ولما كان سبب النقلة من جهتها؛ كانت بمنزله الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط السكنى.

                                                فإن قيل: ليست النفقة كالسكنى، لأن السكنى حق الله تعالى لا يجوز تراضيهما على إسقاطها، والنفقة حق لها ولو رضيت بإسقاطها لسقطت.

                                                قلت: لا فرق بينهما من الوجه الذي وجب قياسا عليها، وذلك أن السكنى فيها معنيان:

                                                أحدهما: حق الله تعالى؛ وهو كونها في بيت الزوج.

                                                والآخر: حق لها وهو ما يلزم في المال من أجرة البيت إن لم يكن له، ولو رضيت بأن تعطي هي الأجرة من مالها وتسقطها عن الزوج جاز فمن حيث نفي حق في المال قد استويا.

                                                فإن قيل: قال ابن حزم: هذا مرسل، لا ندري من أخبر سعيد بن المسيب فهو ساقط.

                                                قلت: اعتراض ابن حزم ساقط؛ لأن مراسيل سعيد بن المسيب كلها صحاح ومراسيله مسانيد، وقال شمس الأئمة: والحسن وسعيد بن المسيب وغيرها من أئمة [ ص: 125 ] التابعين كان كثيرا ما يروون مرسلا، حتى قال: أكثر ما رواه سعيد بن المسيب مرسلا إنما سمعه من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ ولهذا قال عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند؛ لأن من اشتهر عنده حديث فإن سمعه بطرق طوى الإسناد؛ لوضوح الطريق عنده وقطع الشهادة بقوله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا سمعه بطريق واحد لا يتضح الأمر عنده على وجه لا يبقى له فيه شبهة، فيذكره مسندا على قصد أن يحمله ما تحمل عنه.

                                                وقال الشافعي: لا أقبل من المراسيل إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإني تتبعتها ووجدتها مسانيد.

                                                فإن قيل: فعلى ما ذكرت ينبغي أن يجوز النسخ بالمراسيل كما يجوز من الإخبار بالمشهور عندكم.

                                                قلت: إنما لم نجوز ذلك؛ لأن قوة المرسل من هذا الوجه بنوع من الاجتهاد، فيكون نظير قوة ما ثبت بطريق القياس، والنسخ بمثله لا يجوز.




                                                الخدمات العلمية