الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4472 ص: وأما وجهه من طريق النظر؛ فإنا وجدنا الأصل في ذلك أن الرجل نهي أن يطلق امرأته حائضا، ونهي أن يطلقها في طهر قد طلقها فيه؛ فكان قد نهي عن الطلاق في الطهر الذي طلقها فيه كما نهي عن الطلاق في الحيض.

                                                ثم رأيناهم لا يختلفون في رجل جامع امرأته حائضا ثم أراد أن يطلقها للسنة أنه ممنوع من ذلك حتى تطهر من هذه الحيضة التي كان الجماع فيها ومن حيضة أخرى بعدها، وجعل جماعه إياها في الحيضة كجماعه إياها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة، فلما كان حكم الطهر الذي بعد كل حيضة كحكم نفس الحيضة في وقوع الطلاق في الجماع، وكان من جامع امرأته وهي حائض فليس له أن يطلقها بعد ذلك حتى يكون بين ذلك الجماع وبين الطلاق الذي يوقعه حيضة كاملة مستقبلة؛ كان كذلك في النظر أنه إذا طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد بعد ذلك أن يطلقها، لم يكن له ذلك حتى يكون بين طلاقه الأول الذي طلقها إياه وبين طلاقه إياها الثاني حيضة مستقبلة.

                                                فهذا وجه النظر عندنا في هذا الباب مع موافقة الآثار، وهو قول أبي يوسف -رحمه الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، تقريره أن الأصل في هذا الباب أن الرجل منهي عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي طلق امرأته فيه كما هو [ ص: 42 ] منهي عن إيقاعه في الحيض، ثم إنه إذا جامعها وهي حائض وأراد أن يطلقها للسنة فإنه يمنع من الطلاق حتى تطهر من هذه الحيضة التي جامعها فيها ومن حيضة أخرى مستقبلة بعدها، فلم يعتبر الطهر الذي يعقب الحيضة التي كان فيها الجماع، فصار حكمه كحكم نفس الحيضة، فلما لم يكن لهذا المجامع في الحيض أن يطلقها للسنة حتى يكون بين جماعه الذي وقع في الحيضة وبين الطلاق الذي يريد وقوعه حيضة كاملة مستقبلة؛ كان القياس على ذلك يقتضي للذي طلق امرأته وهي حائض ثم أراد بعد ذلك أن يطلقها أن لا يطلقها حتى يكون بين طلاقه الأول الذي قد أوقعه وبين طلاقه الذي يريد وقوعه حيضة مستقبلة. فافهم.

                                                فهذا وجه النظر في هذا الباب، وهو الذي ذهب إليه أبو يوسف ومن ذكرناهم معه فيما مضى.




                                                الخدمات العلمية