الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4533 ص: فقال قائل: لم يجئ تخليط حديث فاطمة إلا مما رواه الشعبي عنها، وذلك أنه هو الذي روى عنها: "أن رسول الله -عليه السلام- لم يجعل لها السكنى ولا النفقة".

                                                قال: وليس ذلك في حديث أصحابنا الحجازيين، فأغفل في ذلك أو ذهل عنه؛ لأنه لم يرو ما في هذا الباب بكماله كما رواه غيره، فتوهم هو أنه جمع كل ما روي في هذا الباب فتكلم على ذلك فقال: ما حكينا عنه مما وصفنا، وليس كما توهم؛ لأن الشعبي أضبط مما يظن وأوثق وأتقن، وقد وافقه على ما روى من قد ذكرنا في أول هذا الباب ما يغنينا ذلك عن إعادته في هذا الموضع، ويقال: إن حديث مالك عن عبد الله بن يزيد الذي لم يذكر فيه "لا سكنى لك" قد رواه الليث بن سعد، عن [ ص: 131 ] عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، عن فاطمة، بمثل ما رواه الشعبي عنها، فما جاء عن الشعبي في هذا تخليط، وإنما جاء التخليط ممن روى عن أبي سلمة عن فاطمة ، فحذف بعض ما فيه وجاء ببعض، فأما أصل الحديث فكما رواه الشعبي . -رحمه الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بهذا القائل الشافعي: فإن عنده المبتوتة لها السكنى وليست لها النفقة إلا إذا كانت حاملا، فلأجل هذا قال: لم يجئ تخليط حديث فاطمة بنت قيس من رواية الشعبي؛ إنما قال كذلك لأن رواية الشعبي عن فاطمة تخبر بأن المبتوتة ليس لها السكنى ولا النفقة فهي في الظاهر حجة عليه لكونه يرى لها السكنى دون النفقة، ويرى لها النفقة أيضا إذا كانت حاملا، وقد سرد الطحاوي هذا الكلام مفسرا في كتابه "الأحكام" حيث قال: وذكر الشافعي فيما ذكره لنا الربيع عنه هذا، وأن معنى حديث فاطمة الذي ذكرنا يرجع إلى المعنى الذي كان يذهب إليه في المطلقات المبتوتات غير الحوامل؛ لا نفقة لهن في عددهن على من طلقهن، وأن لهن السكنى عليهم إلى انقضاء عددهن، وقال: قول رسول الله -عليه السلام- لفاطمة في حديثها الذي ذكرناه يعني حديث مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة: "لا نفقة لك" أي لأنك غير حامل، وانتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم لبذائك الذي صرت به من أهل الفاحشة التي أباح الله -عز وجل- بها إخراج المطلقات اللاتي تكون منهن، فقال: وإنما جاء تخليط هذا الحديث عن فاطمة غير ما رواه عنها الشعبي، لأنه روى عنها أن رسول الله -عليه السلام- قال: "لا نفقة لك ولا سكنى"، وأما ما روى عنها الحجازيون فموافق لقولنا وغير خارج عن مذهبنا الذي ذكرناه، يعني أن لها السكنى دون النفقة.

                                                قال الطحاوي: ولم يكن القول في ذلك كما ذكر، ولا كان أصل حديث فاطمة إلا كما رواه الشعبي عنها؛ لإتقانه وضبطه ولفضل حفظه، ولتقدمه في العلم وعلو مرتبته فيه، ولأنه قد وافقه على ذلك غير واحد من أهل الحجاز منهم: عبد الله بن عبد الله وقبيصة ومحمد بن عبد الرحمن وأبو سلمة فقد وافقه [ ص: 132 ] على ذلك إلا أن مالكا وإن كان لم يرو ذلك إلا عن عبد الله عن أبي سلمة إلا كما أشرنا إليه وكما ذكرناه عنه، فإن الليث قد رواه عنه عن عبد الله عن أبي سلمة كما رواه الشعبي عن فاطمة سواء، ووافقه على ذلك يحيى بن أبي كثير مع جلالته وعلمه وفضل حفظه وإتقانه وعلو مرتبته، حتى لقد قال أيوب السختياني فيه ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المنقري، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: سمعت أيوب السختياني فيه يقول: "ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير" فقدمه على الناس جميعا.

                                                ووافق يحيى على ذلك الحارث بن عبد الرحمن خال: ابن أبي ذئب -وهو رجل من أهل العلم صحيح الرواية- فروى عن أم سلمة عن فاطمة عن رسول الله -عليه السلام- في هذا الباب مثل الذي رواه الشعبي ، عن فاطمة، عن رسول الله -عليه السلام- فيه.

                                                قوله: "وليس كما توهم". أي هذا القائل، والباقي ظاهر.




                                                الخدمات العلمية