الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4647 ص: وقد روي عن عبد الله أيضا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي ، عن سعيد بن عمرو بن جعدة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال: "سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة القدر، فقال: أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ قال عبد الله: : أنا والله، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وبيدي تمرات أتسحر بهن، وأنا مستتر بمؤخرة رحلي من الفجر، وذلك حين طلع الفجر". .

                                                ففي هذا الحديث أن رسول الله -عليه السلام- لما سئل عن ليلة القدر، أخبرهم أي ليلة هي [ ص: 254 ] وأنها ليلة الصهباوات، فوصفها عبد الله بما وصفها به في ضوء القمر عند طلوع الفجر؛ وذلك لا يكون إلا في آخر الشهر، . فقد دل أيضا على ما قال أبي.

                                                وفي كتاب الله -عز وجل- ما يدل أن ليلة القدر في شهر رمضان خاصة، قال الله -عز وجل-: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم فأخبر الله -عز وجل- أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر، وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن، ثم قال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فثبت بذلك أن تلك الليلة في شهر رمضان، واحتجنا إلى أن نعلم أي ليلة هي من لياليه، فكان الذي يدل على ذلك ما قد رويناه عن بلال عن النبي -عليه السلام-: "أنها ليلة أربع وعشرين"، والذي روي عن أبي بن كعب، عن النبي -عليه السلام-: أنها ليلة سبع وعشرين".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وقد روي عن عبد الله بن مسعود أيضا، ما يدل على أن ليلة القدر في شهر رمضان خاصة، وأشار بهذا الكلام إلى آخره إلى رد ما روي عن عبد الله أيضا: "أن ليلة القدر في كل الحول" كما ذهبت إليه طائفة؛ وذلك لأن حديثه هذا الذي فيه ذكر ليلة الصهباوات يدل على أنها في شهر رمضان خاصة، موافقا لما قال أبي بن كعب من أنها في رمضان، وحلف على ذلك كما مر ذكره.

                                                وفي كتاب الله تعالى أيضا ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه أي القرآن دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة مباركة ثم وصف هذه الليلة بقوله: فيها يفرق كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمرهم منها إلى الأخرى القابلة، والمعنى: كل أمر: أي شأن ذي حكمة، ثم أخبر الله تعالى أن [ ص: 255 ] تلك الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر، وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن، ثم قال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فإذا كان كذلك ثبت أن ليلة القدر في شهر رمضان خاصة، ولكن بقي لنا أن نعلم أي ليلة هي من ليالي رمضان، فرأينا حديث بلال يدل على أنها ليلة أربع وعشرين، وحديث أبي بن كعب: أنها ليلة سبع وعشرين.

                                                ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي شيخ البخاري في غير الصحيح.

                                                عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، احتج به الأربعة، واستشهد به البخاري .

                                                عن سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي، وثقه ابن حبان .

                                                عن أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود -ويقال: اسمه كنيته- وقال الترمذي: لا يعرف اسمه، ولم يسمع من أبيه شيئا. وقال غيره: سمع من أبيه. روى له الجماعة.

                                                وأخرجه البيهقي من حديث المسعودي ... إلى آخره نحوه، ولكن في روايته: "وذلك حين طلع القمر"، وقال الذهبي في "مختصر السنن": سعيد لا أعرفه، والخبر منكر.

                                                قلت: أراد به سعيد بن عمرو بن جعدة، وهو كما قد ذكرناه وثقه ابن حبان ولعل الذهبي لم يطلع عليه؛ وعدم علمه به لا ينافي علم غيره.

                                                قوله: "ليلة الصهباوات" هي جمع صهباء، وهو موضع على روحة من خيبر.

                                                قوله: "بأبي أنت وأمي" فيه حذف، وتقديره: أنت مفدى بأبي وأمي، وقيل: فديتك بأبي وأمي، فعلى الأول محل "الباء" مرفوع، وعلى الثاني منصوب، فافهم.

                                                [ ص: 256 ] قوله: "بمؤخرة رحلي" بضم الميم وكسر الخاء، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير، وأراد بالرحل ها هنا: الكور الذي يركب عليه، وهو له كالسرج للفرس.




                                                الخدمات العلمية