الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                            صفحة جزء
                                                                                            9881 وعن كعب بن مالك - وكان ممن شهد العقبة ، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا ، فقهنا معنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا ، فلما توجهنا لسفرنا ، وخرجنا من المدينة ، قال البراء لنا : يا هؤلاء ، إني قد رأيت - والله - رأيا ، وإني - والله - ما أدري توافقوني عليه أم لا ؟ قلنا له : وما ذاك ؟ قال : إني قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر [ ص: 43 ] - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها قال : فقلنا : والله ما بلغنا أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه قال : فقلنا : لكنا لا نفعل .

                                                                                            قال : وكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام ، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة ، قال أخي : وقد كنا قد عتبنا عليه ما صنع ، وأبى إلا الإقامة عليه ، فلما قدمنا مكة قال : يا ابن أخي ، انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا ، فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه .

                                                                                            قال : فخرجنا نسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنا لا نعرفه ، لم نره من قبل ، فلقينا رجل من أهل مكة ، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل تعرفانه ؟ قلنا : لا . قال : فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قلنا : نعم . قال : وقد كنا نعرف العباس ، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال : فادخلا المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس . قال : فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه جالس ، فسلمنا ثم جلسنا إليه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس : " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ " قال : نعم ، هذا البراء بن معرور سيد قومه ، وهذا كعب بن مالك . قال : فوالله ما أنسى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الشاعر ؟ " . قال : نعم . قال : فقال البراء بن معرور : يا نبي الله ، إني خرجت في سفري هذا ، وقد هداني الله للإسلام ، فجعلت لا أجعل هذه البنية مني بظهر ، فصليت إليها ، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فما ترى ، يا رسول الله ؟ قال : " لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها " . قال : فرجع البراء إلى قبلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى معنا إلى الشام قال : وأهله يصلون إلى الكعبة حتى مات ، وليس كذلك كما قالوا : نحن أعلم به منهم
                                                                                            .

                                                                                            قال : وخرجنا إلى الحج فواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة في أوسط أيام التشريق ، فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من سادتنا ، وكنا نكتم من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه فقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حصبا للنار غدا ، ثم دعوته إلى الإسلام ، وأخبرته بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا .

                                                                                            قال : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 44 ] نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن سبعون رجلا معهم امرأتان من نسائهم : نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار ، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة ، وهي أم منيع . فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه يتوثق له فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول من تكلم ، فقال : يا معشر الخزرج - وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها ، وخزرجها - إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، وهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده . قال : فقلنا : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله فخذ لربك ولنفسك ما أحببت .

                                                                                            فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا ، ودعا إلى الله عز وجل ، ورغب في الإسلام ، قال : " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " .

                                                                                            قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق ، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر .

                                                                                            قال : فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل ، فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها - وهي العهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، وأظهرك الله عز وجل أن ترجع وتدعنا ؟ قال : فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بل الدم الدم ، والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم " .

                                                                                            وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا منكم يكونون على قومهم " .

                                                                                            فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا منهم تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس
                                                                                            .

                                                                                            وأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك قال : كان أول من ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البراء بن معرور ، ثم تبايع القوم ، فلما بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته : يا أهل الجباجب - والجباجب : المنازل - هل [ ص: 45 ] لكم في مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم ؟ قال علي يعني : ابن إسحاق : ما يقول عدو الله محمد ؟ قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذا أزب العقبة ، هذا ابن أزيب ، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك " . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ارفعوا إلي رحالكم " . قال : فقال له العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا . قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لم أؤمر بذلك " .

                                                                                            قال : فرجعنا فنمنا حتى أصبحنا ، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا ; تستخرجونه من بين أيدينا ، وتبايعونه على حربنا ، والله إنه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم . قال : فنبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا من شيء ، وما علمناه ، وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا .

                                                                                            قال : فبعضنا ينظر إلى بعض . قال : وقام القوم ، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة ، وعليه نعلان جديدان قال : فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا : ما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث فخلعهما ، ثم رمى بهما إلي ، قال : والله لتنتعلنهما ، قال : يقول أبو جابر : أحفظت - والله - الفتى اردد عليه نعليه ، قال : فقلت : والله لا أردهما ، قال : ووالله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنه
                                                                                            .

                                                                                            فهذا حديث ابن مالك عن العقبة ، وما حضر منها . رواه أحمد ، والطبراني بنحوه ، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع .

                                                                                            وقال الطبراني في حديثه : فخرجنا نسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقينا رجل بالأبطح فقلنا له : تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ؟ قال : فهل تعرفانه إذا رأيتماه ؟ وقال أيضا : وتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلا القرآن ، ورغب في الإسلام ; فأجبناه بالإيمان به والتصديق له .

                                                                                            وقال أيضا : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخرجوا منكم اثني عشر نقيبا " . فأخرجهم فكان نقيب بني النجار : أسعد بن زرارة . وكان نقيب بني سلمة : البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام . وكان نقيب بني ساعدة : سعد بن عبادة ، والمنذر [ ص: 46 ] بن عمرو .

                                                                                            وكان نقيب بني زريق : رافع بن مالك بن العجلان . وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وسعد بن الربيع . وكان نقيب بني عوف بن الخزرج : عبادة بن الصامت .

                                                                                            ونقيب بني عبد الأشهل : أسيد بن حضير ، وأبو الهيثم بن التيهان . وكان نقيب بني عمرو بن عوف : سعد بن خيثمة .

                                                                                            التالي السابق


                                                                                            الخدمات العلمية