الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان مجاري الفكر

جزء التالي صفحة
السابق

بيان مجاري الفكر .

اعلم أن الفكر قد يجري في أمر يتعلق بالدين وقد يجري فيما يتعلق بغير الدين وإنما غرضنا ما يتعلق بالدين فلنترك القسم الآخر .

ونعني بالدين المعاملة التي بين العبد وبين الرب تعالى ، فجميع أفكار العبد إما أن تتعلق بالعبد وصفاته وأحواله وإما أن تتعلق بالمعبود وصفاته وأفعاله ، لا يمكن أن يخرج عن هذين القسمين .

وما يتعلق بالعبد إما أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرب تعالى أو فيما هو مكروه ، ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين .

وما يتعلق بالرب تعالى إما أن يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسنى وإما أن يكون في أفعاله وملكه وملكوته وجميع ما في السماوات والأرض وما بينهما .

وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال ، وهو أن حال السائرين إلى الله تعالى والمشتاقين إلى لقائه يضاهي حال العشاق، فلتتخذ العاشق المستهتر مثالنا فنقول : العاشق المستغرق لهم بعشقه لا يعدو فكره من أن يتعلق بمعشوقه أو يتعلق بنفسه .

فإن تفكر في معشوقه فإما أن يتفكر في جماله وحسن صورته في ذاته ليتنعم بالفكر فيه وبمشاهدته ، وإما أن يتفكر في أفعاله اللطيفة الحسنة الدالة على أخلاقه وصفاته ليكون ذلك مضعفا للذته ومقويا لمحبته .

وإن تفكر في نفسه فيكون فكره في صفاته التي تسقطه من عين محبوبه حتى يتنزه عنها أو في الصفات التي تقربه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها .

فإن تفكر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حد العشق وهو نقصان فيه لأن العشق التام الكامل ما يستغرق العاشق ويستوفي القلب حتى لا يترك فيه متسعا لغيره .

فمحب الله تعالى ينبغي أن يكون كذلك ، فلا يعدو نظره وتفكره محبوبه .

، ومهما كان تفكره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى المحبة أصلا فلنبدأ بالقسم الأول وهو تفكره في صفات نفسه وأفعال نفسه ليميز المحبوب منها عن المكروه ، فإن هذا الفكر هو الذي يتعلق بعلم المعاملة الذي هو المقصود بهذا ، الكتاب ، وأما القسم الآخر فيتعلق بعلم المكاشفة .

ثم كل واحد مما هو مكروه عند الله أو محبوب ينقسم إلى ظاهر كالطاعات والمعاصي وإلى باطن كالصفات المنجيات والمهلكات التي محلها القلب ، وذكرنا تفصيلها في ربع المهلكات والمنجيات .

والطاعات والمعاصي تنقسم إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة وإلى ما ينسب إلى جميع البدن كالفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسكون في المسكن الحرام .

ويجب في كل واحد من المكاره التفكر في ثلاثة أمور ، الأول التفكر في أنه هل هو مكروه عند الله أم لا ؟ فرب شيء لا يظهر كونه مكروها بل يدرك بدقيق النظر والثاني التفكر في أنه إن كان مكروها فما طريق الاحتراز عنه ، والثالث أن هذا المكروه هل هو متصف به في الحال فيتركه أو هو متعرض له في الاستقبال فيحترز عنه ، أو قارفه فيما مضى من الأحوال فيحتاج إلى تداركه وكذلك كل واحد من المحبوبات ينقسم إلى هذه الانقسامات ، فإذا جمعت هذه الأقسام زادت مجاري الفكر في هذه الأقسام على مائة ، والعبد مدفوع إلى الفكر إما في جميعها أو في أكثرها .

وشرح آحاد هذه الانقسامات يطول ولكن انحصر هذا القسم في أربعة أنواع : الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات .

فلنذكر في كل نوع مثالا ليقيس به المريد سائرها ، وينفتح له باب الفكر ، ويتسع عليه طريقه .

النوع الأول المعاصي ينبغي ، أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة تفصيلا ثم بدنه على الجملة هل هو في الحال ملابس لمعصية بها . فيتركها أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها .

فينظر في اللسان ويقول : إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ، ويتفكر في شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا يشعر ، ثم يتفكر أنه كيف يحترز منه ويعلم أنه لا يتم له ذلك إلا بالعزلة والانفراد أو بأن لا يجالس إلا صالحا تقيا ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه الله وإلا فيضع حجرا في فيه إذا جالس غيره حتى يكون ذلك مذكرا له فهكذا يكون الفكر في حيلة الاحتراز .

ويتفكر في سمعه أنه يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو والبدعة ، وأن ذلك إنما يسمعه من زيد ومن عمرو ، وأنه ينبغي أن يحترز عنه بالاعتزال أو بالنهي عن المنكر فمهما كان ذلك فيتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال فإن ذلك مكروه عند الله ومقو للشهوة التي هي سلاح الشيطان عدو الله ، وإما بأكل الحرام أو الشبهة فينظر من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ومكسبه وما مكسبه ، ويتفكر في طريق الحلال ومداخله .

ثم يتفكر في طريق الحيلة في الاكتساب منه والاحتراز من الحرام ، ويقرر على نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام ، وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها ، وأن الله تعالى لا يقبل صلاة عبد في ثمن ثوبه درهم حرام كما ورد الخبر به .

فهكذا يتفكر في أعضائه ففي هذا القدر كفاية عن الاستقصاء .

فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ الأعضاء عنها .

التالي السابق


بيان مجاري الفكر

(اعلم) هداك الله تعالى أن الوجود كله من ذروة العرش إلى قاعدة الثرى معارج للملائكة ومراقي للأفكار المشتغلة بالنظر والاعتبار حتى تصل إلى معرفة الجبار، فهناك لا معرج ولا مرقى، إذ ليس وراء الله مرمى وهذا لا يحصى ولا يستقصى ولكن المقصود جملة المريد في سفره إلى مولاه فاعلم (أن الفكر قد يجري في أمر يتعلق بالدين وقد يجري فيما يتعلق بغير الدين وإنما غرضنا) هنا (ما يتعلق بالدين فلنترك القسم الآخر) ، ونذكر ما يتعلق بالدين (ونعني بالدين المعاملة التي بين العبد وبين الرب تعالى، فجميع أفكار العبد إما أن تتعلق بالعبد وصفاته وأحواله وإما أن تتعلق بالمعبود وصفاته وأفعاله، لا يمكن أن يخرج عن هذين القسمين وما يتعلق بالعبد إما أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرب تعالى أو فيما هو مكروه، ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين، وما يتعلق بالرب تعالى إما أن يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسنى وإما أن يكون في أفعاله وملكه وملكوته وجميع ما في السماوات والأرض وما بينهما وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال، وهو أن حال السائرين إلى الله و) الطائرين (المشتاقين إلى لقائه يضاهي حال العشاق، فلتتخذ العاشق المستهتر) بحب معشوقه (مثالنا فنقول: العاشق المستغرق لهم بعشقه لا يعدو فكرة من أن يتعلق بمعشوقه أو يتعلق بنفسه، فإن تفكر في معشوقه فإما أن يتفكر [ ص: 171 ] في جماله وحسن صورته في ذاته ليتنعم بالفكر فيه وبمشاهدته، وإما أن يتفكر في أفعاله اللطيفة الحسنة الدالة على أخلاقه وصفاته ليكون ذلك مضعفا للذته ومقويا لمحبته) فهذا طريق الفكر فيما يتعلق بالمحبوب (وإن تفكر في نفسه فيكون فكره في صفاته التي تسقطه من عين محبوبه حتى يتنزه عنها) أي: يتباعد (أو في الصفات التي تقربه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها) فهذا طريق الفكر فيما يتعلق بالمحب (فإن تفكر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حد العشق وهو نقصان فيه لأن العشق التام الكامل ما يستغرق العاشق ويستوفي القلب) بكليته (حتى لا يترك فيه متسعا لغيره، فمحب الله تعالى ينبغي أن يكون كذلك، فلا يعد ونظره وتفكره ومحبوبه، ومهما كان تفكره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى المحبة أصلا فلنبدأ بالقسم الأول وهو تفكره في صفات نفسه وأفعال نفسه ليميز المحبوب منها عن المكروه، فإن هذا الفكر هو الذي يتعلق بعلم المعاملة، وهو مقصود هذا الكتاب، وأما القسم الآخر) الذي هو التفكر في ذات الله ومعاني أسمائه وصفاته وكيف يتخلق بها العبد (فيتعلق بالمكاشفة ثم لك واحد مما هو مكروه عند الله أو محبوب ينقسم إلى ظاهر كالطاعات والمعاصي وإلى باطن كالصفات المنجيات والمهلكات التي محلها القلب، وذكرنا تفصيلها في ربع المهلكات والمنجيات) ، وهو هذا الربع (والطاعات والمعاصي تنقسم) تارة (إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة) اليدان والرجلان والبصر والسمع واللسان (و) تارة (إلى ما ينسب إلى جميع البدن) ، وهذا (كالفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسكون في المسكن الحرام) ، وغير ذلك (ويجب في كل واحد من المكاره التفكر في ثلاثة أمور، الأول التفكر في أنه هل هو مكروه عند الله أم لا؟ فرب بشيء لا يظهر كونه مكروها) في بادئ النظر (بل يدرك بدقيق النظر) ، وكثرة التأمل (والثاني التفكر في أنه إن كان مكروها فما طريق الاحتراز عنه، والثالث) التفكر في أن (هذا المكروه هل هو متصف به في الحال فيتركه أو هو متعرض له في الاستقبال فيحترز منه، أو فارقه فيما مضى من الأحوال فيحتاج إلى تداركه) لما فرط منه (وكذلك كل واحد من المحبوبات ينقسم هذه الانقسامات، فإذا جمعت هذه الأقسام زادت مجاري الفكر) واتسعت مسارحها (في هذه الأقسام على مائة، والعبد مدفوع إلى الفكر إما في جميعها أو في أكثرها، وشرح آحاد هذه الأقسام يطول) ، ومسألة الحصر فيه تعول (ولكن انحصر هذا القسم في أربعة أنواع: الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات، فلنذكر في كل نوع مثالا ليقيس به المريد سائرها، وينفتح له باب الفكر، ويتسع عليه طريقة النوع الأول، المعاصي ينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم في جميع أعضائه السبعة تفصيلا) كل عضو على حدة (ثم بدنه) من حيث المجموع (على الجملة هل هو في الحال) الراهنة (ملابس لمعصية بها. فيتركها) في تلك الحال (أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم) ، والعزم على أن لا يعود لمثلها (أو) هو (متعرض لها في نهاره) فيما يستقبله (فليستعد للاحتراز) عنها (والتباعد منها فينظر في اللسان ويقول: إنه متعرض [ ص: 172 ] للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى، ويتفكر في شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها) ، وكثرة التوبيخ والعتاب على مرتكبيها (ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا يشعر، ثم يتفكر أنه كيف يحترز منها ويعلم أنه لا يتم له إلا بالعزلة والانفراد عن الناس أو بأن لا يجالس إلا صالحا تقيا) ، ورعا (ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه الله تعالى وإلا فيضع حجرا في فيه إذا جالس غيره حتى يكون ذلك مذكرا له) كما كان الصديق رضي الله عنه يفعله (فهكذا يكون الفكر في حيلة الاحتراز، ويتفكر في سمعه أنه يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو والبدعة، وأن ذلك إنما يسمعه من زيد ومن عمرو، وأنه ينبغي أن يحترز منهم بالاعتزال) عنهم وعدم مجالستهم (وبالنهي عن المنكر مهما سمع ذلك ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال) الصرف (فإن ذلك مكروه عند الله تعالى ومقو للشهوة التي هي سلاح الشيطان عدوا لله، وإما بأكل الحرام أو الشبهة فينظر من أين مطعمه وملبسه ومسكنه، ويتفكر في طريق الحلال ومداخله ثم يتفكر في طريق الحيلة في الاكتساب منه والاحتراز من الحرام، ويقرر على نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام، وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها، وأن الله تعالى لا يقبل صلاة عبد في ثمن ثوبه درهم حرام كما ورد الخبر به) .

رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند فيه مجهول، وقد تقدم .

(فهكذا يتفكر في أعضائه ففي هذا القدر كفاية عن الاستقصاء، فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ الأعضاء عنها) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث