الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الدرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم وعلى قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة .

نعم غلب عليهم الحياء من الله فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت فيه ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة .

وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك صبي أو امرأة فتعلم أنه مطلع عليك فتستحي منه فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء فإن مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك .

وقد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتى تترك كل ما أنت فيه شغلا به لا حياء منه فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة الله تعالى .

ومن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته وله فيها نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك بفعله خاطره أهو لله خاصة أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وسعيها في فضيحتها وأنها عدوة نفسها إن لم يتداركها الله بعصمته .

وهذا التوقف في بداية الأمور إلى حد البيان واجب محتوم لا محيص لأحد عنه فإن في الخبر أنه ينشر للعبد في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين الديوان الأول لم والثاني كيف والثالث لمن ومعنى لم أي لم فعلت هذا أكان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه بشهوتك وهواك فإن سلم منه بأن كان عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الديوان الثاني فقيل له كيف فعلت هذا فإن لله في كل عمل شرطا وحكما لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له كيف فعلت أبعلم محقق أم بجهل وظن فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو المطالبة بالإخلاص فيقال له لمن عملت ألوجه الله خالصا وفاء بقولك لا إله إلا الله فيكون أجرك على الله أو لمراءاة خلق مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتنال عاجل دنياك فقد وفيناك نصيبك من الدنيا أم عملته بسهو وغفلة فقد سقط أجرك وحبط عملك وخاب سعيك وإن عملت لغيري فقد استوجبت مقتي وعقابي إذ كنت عبدا لي تأكل رزقي وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ويحك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص .

فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات والتوبيخات طالب نفسه قبل أن تطالب وأعد للسؤال جوابا وليكن الجواب صوابا فلا يبدئ ولا يعيد إلا بعد التثبت ولا يحرك جفنا ولا أنملة إلا بعد التأمل .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ إن الرجل ليسأل عن كحل عينيه وعن فته الطين بإصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه .

وقال الحسن كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كان لله أمضاه .

وقال الحسن رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر .

وقال في حديث سعد حين أوصاه سلمان اتق الله عند همك إذا هممت .

وقال محمد بن علي إن المؤمن وقاف متأن يقف عند همه ليس كحاطب ليل .

فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين والمعرفة الحقيقية بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف نفسه وربه وعدوه إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحبه الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر هيهات بل طلب العلم فريضة على كل مسلم ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ومواضع الغرور فيتقي ذلك والجاهل لا يعرفه فكيف يحترز منه فلا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة وأساس كل خسران .

فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة والرغبة تورث الهم والهم يورث جزم القصد والقصد يورث الفعل والفعل يورث البوار والمقت فينبغي أن تحسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر فإن جميع ما وراءه يتبعه .

ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى فإن عجز عن الاجتهاد والفكر بنفسه فيستضيء بنور علماء الدين وليفر من العلماء المضلين المقبلين على الدنيا فراره من الشيطان بل أشد فقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام تسأل عني عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدة الشره والتكالب عليها محجوبة عن نور الله تعالى فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على عدوها وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات الدنيا فلتكن همة المريد أولا في أحكام العلم أو في طلب عالم معرض عن الدنيا أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات .

ولذلك قال عليه السلام من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارنة الذنوب ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه الأعصار فإن الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات وقالوا هذا هو الفقه وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة العلوم وتجردوا لفقه الدنيا الذي ما قصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرغ لفقه الدين فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه .

وفي الخبر: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبت ولهذا توقف طائفة من الصحابة في القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليهم الأمر كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم .

التالي السابق


(الدرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم على قلوبهم لكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ) بالكلية (بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إلا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة نعم غلب عليهم الحياء من الله تعالى فلا يقدمون ) على عمل (ولا يحجمون إلا بعد التثبت ) فيه (ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة ) ليسمعوا نداء الباري لمن الملك اليوم لله الواحد القهار بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا (وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك صبي أو امرأة فتعلم أنه مطلع عليك فتستحي منه فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء فإن مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك وقد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتى تترك ما أنت فيه شغلا به لا حياء منه فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة الله تعالى ومن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته وله [ ص: 103 ] فيها نظران نظر قبل العمل ) أي : قبل الشروع فيه (ونظر في العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك بفعله خاطره أهو لله خاصة أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق ) ويعلم الواجب من الأوجب والفاضل من الأفضل والمقدم من المؤخر وما يفوت على ما لا يفوت (فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ) فقد قيل العمل على الحياء أفضل من العمل على الرجاء والخوف (ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وسعيها في فضيحتها وأنها عدوة نفسها إن لم يتداركها الله بعصمته وهذا التوقف ) والتثبت (في بداية الأمور إلى حد البيان ) والانكشاف (واجب محتوم لا محيص عنه ففي الخبر أنه ينشر للعبد في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين الديوان الأول لم ) بكسر اللام ونصب الميم وأصله لما وهو للاستفهام (والثاني كيف والثالث لمن ) قال العراقي لم أقف له على أصل قلت لكن تقدم حديث الدواوين يوم القيامة ثلاثة من حديث عائشة رواه أحمد والحاكم (ومعنى لم أي لم فعلت هذا أكان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت عليه بشهوتك وهواك فإن سلم عنه بأن كان عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الديوان الثاني فقيل له كيف فعلت هذا فإن لله في كل عمل شرطا وحكما لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له كيف فعلت أبعلم محفوظ أم بجهل وظن فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو المطالبة بالإخلاص فيقال لمن عملت لوجه الله خالصا وفاء بقولك لا إله إلا الله فيكون أجرك على أو لمراياة خلق مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتنال عاجل دنياك فقد وفيناك نصيبك من الدنيا أم عملت بسهو وغفلة فقد سقط أجرك وحبط عملك وخاب سعيك وإن عملت لغيري فقد استوجبت مقتي وعقابي إذ كنت عبدا لي تأكل رزقي وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ويحك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات والتوبيخات ) إن خلص من الأول لا يخلص من الثاني والثالث وإن خلص من الأول والثاني لا يخلص من الثالث فإن الإخلاص عزيز (طالب نفسه قبل أن تطالب وأعد للسؤال جوابا وللجواب صوابا فلا يبدئ ولا يعيد إلا بعد التثبت ) والتوقف (ولا يحرك جفنا ولا أنملة إلا بعد التأمل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ) بن جبل رضي الله عنه يا معاذ (إن الرجل ليسأل عن كحل عينيه وعن فتات الطين بإصبعه وعن لمسه ثوب أخيه ) تقدم أن العراقي قال لم أجد له أصلا مع أنه رواه أبو نعيم في الحلية في حديث طويل أوله يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أستر يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه الحديث وفيه يا معاذ إن المؤمن ليسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي الحديث .

(وقال الحسن ) البصري رحمه الله تعالى (كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كان لله أمضاه ) نقله صاحب القوت .

(وقال الحسن ) أيضا (رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر ) نقله صاحب القوت .

(وقال في حديث سعد ) بن أبي وقاص (حين أوصاه سلمان ) رضي الله عنهما [ ص: 104 ] (اتق الله عند همك إذا هممت ) قال العراقي رواه أحمد والحاكم وصححه وهذا القدر منه موقوف وأوله حديث مرفوع كما تقدم .

(وقال محمد بن علي ) يحتمل أن يكون هو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ويحتمل أن يكون هو أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم السابق ذكره قريبا (إن المؤمن وقاف منان يقف عند همه ليس كحاطب ليل ) وهو الذي يحتطب في ظلمة الليل فلا يميز بين ما يسره مما يضر (فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين والمعرفة الحقيقية بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف نفسه وربه وعدوه إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحب الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة ) فوصف المراقبة للعبد إنما يحمد إذا كانت مراقبته لربه وقلبه وذلك أن يعلم أن الله رقيبه وشاهده في كل شيء ويعلم أن نفسه عدوة له والشيطان عدو له وأنهما ينتهزان منه الفرصة حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة فيأخذ منهما حذره ويلاحظ مكامنهما وتلبيسهما ومواضع ابتغائهما حتى يسد عليهما المنافذ والمجاري فهذه مراقبته وهذا كما ذكر يستدعي علما متينا (بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر هيهات بل طلب العلم فريضة على كل مسلم ) كما في الخبر وتقدم في كتاب العلم (ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم ) كما ورد في الخبر وتقدم قريبا (لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ومواضع الغرور فيتقي ذلك والجاهل لا يعرفه ) ومن لا يعرفه (فكيف يحترز منه فلا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة وأساس كل خسران فحكم الله على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل ) أي : قبل الشروع فيه (و ) عند (سعيه بالجارحة فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطرة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة ) فيها (والرغبة تورث الهم ) بها (والهم يورث جزم القصد ) بها (والقصد يورث ) حدوث (الفعل ) في الحال (والفعل يورث البوار ) أي : الهلاك (والمقت ) والبعد عن الله تعالى (فينبغي أن تحسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر ) الذي خطر أولا (فإن جميع ما وراءه يتبعه ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى ) وخواصه وتلبيسه فإن انكشف له ذلك فهو المراد (فإن عجز عن الاجتهاد والفكر ) بطريق العلم (بنفسه ) إما لقصوره في درجة العلم أو لمانع آخر (فيستضيء بنور علماء الدين ) بالسؤال عنهم والتأدب بآدابهم (وليفر من العلماء المضلين المقبلين على الدنيا ) بعلومهم ومعارفهم (فراره من الشيطان بل أشد فقد ) ذكر المحاسبي في بعض كتبه أنه (أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ) يا داود (لا تسل عني عالما أسكره حب الدنيا ) أي : غلب على قلبه واستولى عليه حتى صار شبيه السكران المغلوب (فيقطعك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدة الشره والتكالب عليها محجوبة عن نور الله تعالى ) لا تستقر فيها المعرفة أبدا (فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على عدوها [ ص: 105 ] وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات الدنيا ) والمقبل على حضرة الربوبية لا يلتفت إلى الشهوات ولا يخطر له على بال والمقبل على الشهوات لا يشم رائحة الحضرة ولا يكون له نصيب منها (فلتكن همة المزيد أولا في أحكام العلم ) ومراعاته وليجعله بمنزلة إدامه ليقاتل به عدوه (أو في طلب عالم ) بصير متين العلم (معرض عن الدنيا ) وشهواتها بأن لا يكون متلفتا إليها (أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها ) فإن وجد أن ذلك في غالب الأزمنة عزيز .

(وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب البصر الناقد ) بالقاف أو هو بالفاء والذال (عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات ) قال العراقي رواه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين وفيه حفص بن عمر العدني ضعفه الجمهور . اهـ .

قلت ورواه كذلك البيهقي في الزهد وأبو مطيع في أماليه والحافظ أبو مسعود سليمان بن إبراهيم الأصبهاني في كتاب الأربعين بلفظ عند مجيء الشبهات وعند نزول الشهوات وبزيادة ويحب السماحة ولو على ثمرات ويحب الشجاعة ولو على قتل حية (جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من قارف ذنبا قارفه عقل لا يعود إليه أبدا ) قال العراقي لم أجده وتقدم (فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارفة الذنوب ) ومباشرتها (ومعرفة آفات الأعمال ) ودقائقها .

(وقد اندرست في هذه الأعصار فإن الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم وتركوها واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات وقالوا هذا هو الفقه ) المشار إليه (وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين ) ولباب العلوم كلها (من جملة العلوم وتجردوا لفقه الدنيا الذي ما قصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرغ لفقه الدين فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه وفي الخير أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبت ) قال العراقي لم أجده (ولهذا توقف طائفة من الصحابة في القتال مع أهل العراق وأهل الشام ) أي : عسكر معاوية (لما أشكل عليهم الأمر كسعد بن أبي وقاص ) أحد العشرة (وعبد الله بن عمر ) بن الخطاب (وأسامة ) بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومحمد بن مسلمة ) الأنصاري (وغيرهم ) رضوان الله عليهم أما سعد فقد ثبت أنه اعتزل الفتن بعد موت عثمان ونزل قصره بالعقيق وقال لا أحد يدخل علي بخبر حتى مات ، وقد روى أبو نعيم في الحلية من طريق أيوب السختياني قال اجتمع سعد وابن مسعود وابن عمر وعمار بن ياسر فذكروا الفتنة فقال سعد أما أنا فأجلس في بيتي ولا أدخل فيها ومن طريق عمر بن سعد عن أبيه أنه قال له يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه وإن ضربت به كافرا قتله ومن طريق ابن سيرين قال قيل لسعد ألا تقاتل فإنك من أهل الشورى وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك فقال لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر فقد جاهدت وأنا أعرف وأما ابن عمر فإنه كذلك اعتزل في الفتن بعد موت عثمان فقد روى أبو نعيم أيضا من طريق نافع قال قيل لابن عمر زمن ابن الزبير والخوارج والخشبية أتصلي مع هؤلاء وهؤلاء وبعضهم يقتل بعضا فقال من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا ومن طريق عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عمر قال إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين وأما أسامة فقال الحافظ في الإصابة اعتزل الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في آخر ولاية معاوية وكان قد سكن المزة من دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم رجع إلى المدينة فمات بها بالجرف سنة أربع وخمسين وأما محمد بن مسلمة ففي الاستيعاب لابن عبد البر أنه كان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين وقال حذيفة في حقه إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة فذكره وصرح بسماع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه البغوي وغيره وأخرج ابن شاهين من طريق هشام عن الحسن أن محمد بن مسلمة [ ص: 106 ] قال أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال قاتل المشركين ما قوتلوا فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فأت به أحدا فاضربه حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك خاطئة أو نية قاضية ففعل قال الحافظ رجال هذا السند ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة.




الخدمات العلمية