الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين ; لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن ، وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ، ويحتاج إلى طعام غليظ ، ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن ، فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها . فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره ، في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه ، فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه .

ثم انظر كيف رزقه القدرة ، والتمييز ، والعقل ، والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا إما كفورا أو ، شكورا ، مطيعا أو عاصيا ، مؤمنا أو كافرا ، تصديقا لقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا فانظر إلى اللطف والكرم ، ثم إلى القدرة والحكمة ، تبهرك عجائب الحضرة الربانية .

والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط ، وأنه كيف نقشه وخطه ، وكيف اقتدر عليه ، ولا يزال يستعظمه في نفسه ، ويقول : ما أحذقه ! وما أكمل صنعته وأحسن ! قدرته ! ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ، ولا يحيره جلاله وحكمته فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك ، وأجلى شاهد على عظمة خالقك ، وأنت غافل عن ذلك ، مشغول ببطنك وفرجك ولا ، تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل ، وتشبع فينام وتشتهي ، فتجامع ، وتغضب فتقاتل ، والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وعجائب الآفاق والأنفس ، إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ، ويحشر في زمرة النبيين والصديقين ، مقربا من حضرة رب العالمين وليست ، هذه المنزلة للبهائم ، ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من البهائم بكثير .

إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك . وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا .

التالي السابق


(ثم انظر إلى عطفه ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين; لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن، وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف، ويحتاج إلى طعام غليظ، ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن، فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها. فسبحانه ) جل ثناؤه (كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثات اللينة ) وهذا على القول الصحيح أن الأسنان هي عظام صلبة قابلة للكسر، غير مدركة لألم السحق والنحت- كما تقدم قريبا- وأن مادتها التي خلقت منها مني الأب والأم، ولكن كانت تلك المادة كامنة في عظام الفكين، والعلة الغائبة في ذلك أن الطفل لا يحتاج إلى الأسنان في أول الأمر لأن غذاءه من اللبن، وفكاه صغيران، وعظامهما ضعيفة، لكون ما نبت منها مناسبا لها في الضعف والصغر، فلم يف بما يحتاج إليه من المضغ والكسر وغير ذلك إلى آخر العمر. فالعناية الأزلية اقتضت تأخير خروجها ونباتها إلى حين الحاجة والاستعداد التام للوفاء بما هو المطلوب منها من الشكل، والعظم، والقوة، والصلابة، وغيرها .

(ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره، في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه، فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه. ثم انظر كيف رزقه القدرة، والتمييز، والعقل، والهداية ) والرشد (تدريجا ) شيئا فشيئا (حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ) بعد أن كان طفلا وصبيا (ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ) .

وفي كفاية المتحفظ لابن الأجدابي: الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد سمي صبيا، فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين ثم يصير يافعا إلى عشر حجج ثم يصير خرورا إلى خمس عشرة سنة، انتهى. وقال الأطباء: الأسنان أربعة: سن النمو، ويسمى سن الحداثة، وهو إلى قريب من ثلاثين سنة، ثم سن الوقوف، ويسمى سن الشباب، وهو إلى أربعين سنة، ثم سن الانحطاط، ويسمى سن الكهولة، وهو إلى نحو من ستين سنة، ثم سن [ ص: 198 ] الانحطاط، ويسمى سن الشيخوخة، وهو إلى آخر العمر; وقد أشار المصنف إلى هذه الأربعة. وسن الحداثة ينقسم إلى سن الطفولة، وهو قبل النهوض، وإلى سن الصبا، وهو بعد النهوض، وقبل الشدة، ثم سن الترعرع، وهو بعد الشدة، وقبل المراهقة، ثم سن الغلامية والرهاق إلى تبقل وجهه، ثم سن الفتى إلى أن يقف النمو .

(إما كفورا، وإما شكورا، مطيعا أو عاصيا، مؤمنا أو كافرا، تصديقا لقوله تعالى: هل أتى على الإنسان ) استفهام تقرير وتقريب ( حين من الدهر ) طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود ( لم يكن شيئا مذكورا ) بالإنسانية كالعنصر والنطفة، والمراد بالإنسان الجنس لقوله: ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة ) أو المراد به آدم بين أولا خلقه ثم خلق بنيه ( أمشاج ) أي أخلاط وتقدم الكلام عليه قريبا ( نبتليه ) أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره ( فجعلناه سميعا بصيرا ) ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات ( إنا هديناه السبيل ) أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات ( إما شاكرا ) بالاهتداء والأخذ به ( وإما كفورا ) بالإعراض عنه. (فانظر إلى اللطف والكرم، ثم إلى القدرة والحكمة، تبهرك عجائب الحضرة الربانية ) وتدهش عقلك (والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على ورق ) أو على (حائط فيستحسنه فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط، وأنه كيف نقشه، و ) كيف (خطه، وكيف اقتدر عليه، ولا يزال يستعظمه، ويقول: ما أحذقه! وما أكمل صنعته! و ) ما (أحسن قدرته! ثم ينظر هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته، ولا يحيره جلاله وحكمته ) وبديع صنعته .

(فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها ) ولا ينحصر انتهاؤها (فهو أقرب مجالا لفكرك، وأجلى شاهدا على عظمة خالقك، وأنت غافل عن ذلك، مشغول ببطنك وفرجك، لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل، وتشبع فتنام، وتشتهي فتجامع، وتغضب فتقاتل، والبهائم تشاركك في معرفة ذلك ) فكل ذلك من خواص البهائم (وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وعجائب الآفاق والأنفس، إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين، ويحشر في زمرة النبيين والصديقين، مقربا من حضرة رب العالمين، وليس هذه المنزلة للبهائم، ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم ) من الأكل، والشرب، والنوم، والجماع، والتهور، وغير ذلك; ومن رضي كذلك (فإنه شر من البهائم ) وأخس حالا منها (بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك. وأما هو فقد خلق له القدرة ) التامة على الوصول إلى القرب (ثم عطلها وكفر نعمة الله فيها ) إذ لم يستعملها فيما تقربه إلى الله تعالى (فأولئك ) الذين قيل في حقهم ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) .

ومن كلام أمير المؤمنين- رضي الله عنه- في صفة خلق الإنسان: "أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام، وشغف الأستار، نطفة دفاقا، وعلقة محاقا، وجنينا، وراضعا، ووليدا، ويافعا، ثم منحه قلبا حافظا، ولسانا لافظا، وبصرا لاحظا، ليفهم معتبرا، ويقصر مزدجرا. حتى إذا قام اعتداله، واستوى مثاله، نفر مستكبرا، وخبط سادرا ما تحافى غرب هداه، كادحا سعيا لدنياه في لذات طربه، وبدوات أربه، لا يحتسب رزية، ولا يخشع تقية، فمات في فتنة غريرا، وعاش في هفوته يسيرا، لم يفد عوضا، ولم يقض مقترضا".

ومن كلامه- رضي الله عنه- : "أيها المخلوق السوي، والمنشأ المرعي، في ظلمات الأرحام، ومضاعفات الأستار، بدأت من سلالة من طين، ووضعت في قرار مكين، إلى قدر معلوم، وأجل مقسوم، تمور في بطن أمك جنينا، لا تحير دعاء، ولا تسمع نداء. ثم أخرجت من مقرك إلى دار لم تشهدها، ولم تعرف سبل منافعها، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك، هيهات إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات، فهو من صفات خالقه أعجز، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد".




الخدمات العلمية