الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم تفكر بعد هذا كله في تعظيم أجسام أهل النار ، فإن الله تعالى يزيد في أجسامهم طولا وعرضا ; حتى يتزايد عذابهم بسببه ، فيحسون بلفح النار ، ولدغ العقارب ، والحيات من جميع أجزائها ، دفعة واحدة على التوالي . قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضرس الكافر في النار مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شفته السفلى ساقطة على صدره ، والعليا قالصة قد غطت وجهه .

وقال عليه السلام : إن الكافر ليجر لسانه في سجين يوم القيامة يتواطؤه الناس ومع عظم الأجسام كذلك تحرقهم النار مرات ، فتجدد جلودهم ولحومهم . قال الحسن في قوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها قال تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة ، كلما أكلتهم ، قيل لهم : عودوا فيعودون كما كانوا .

ثم تفكر الآن في بكاء أهل النار وشهيقهم ودعائهم ، بالويل والثبور فإن ذلك يسلط عليهم في أول إلقائهم في النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك .

وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرسل على أهل النار البكاء ، فيبكون حتى تنقطع الدموع ، ثم يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود ، لو أرسلت فيها السفن لجرت وما دام يؤذن لهم في البكاء ، والشهيق ، والزفير ، والدعوة بالويل والثبور ، فلهم فيه مستروح ولكنهم يمنعون أيضا من ذلك ، قال محمد بن كعب لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله عز وجل في أربعة ، فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا ، يقولون : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل فيقول الله تعالى مجيبا لهم : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ثم يقولون : ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل فيجيبهم الله تعالى : أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال فيقولون : ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل به فيجيبهم الله تعالى : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ثم يقولون : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيجيبهم الله تعالى اخسئوا فيها ولا تكلمون فلا يتكلمون بعدها أبدا ، وذلك غاية شدة العذاب قال مالك بن أنس رضي الله عنه قال زيد بن أسلم في قوله تعالى : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص قال : صبروا مائة سنة ، ثم جزعوا مائة سنة ، ثم صبروا مائة سنة ثم قالوا : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا وقال صلى الله عليه وسلم : يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح ، فيذبح بين الجنة والنار ، ويقال : يا أهل الجنة خلود بلا ، موت ، ويا أهل النار خلود بلا ، موت وعن الحسن قال : يخرج من النار رجل بعد ألف عام ، وليتني كنت ذلك الرجل ورئي الحسن رضي الله عنه جالسا في زاوية وهو يبكي ، فقيل له لم تبكي : فقال : أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي فهذه أصناف عذاب جهنم على الجملة ، وتفصيل عمومها وأجزائها ، ومحنها ، وحسرتها ، لا نهاية له فأعظم الأمور عليهم مع ما يلاقونه من شدة العذاب حسرة فوت نعيم الجنة ، وفوت لقاء الله تعالى ، وفوت رضاه مع علمهم بأنهم باعوا كل ذلك بثمن بخس دراهم ، معدودة ; إذ لم يبيعوا ذلك إلا بشهوات حقيرة في الدنيا ، أياما قصيرة ، وكانت غير صافية ، بل كانت مكدرة منغصة فيقولون في أنفسهم : واحسرتاه ، كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربنا ؟! وكيف لم نكلف أنفسنا الصبر أياما قلائل ؟! ولو صبرنا لكانت قد انقضت عنا أيامه ، وبقينا الآن في جوار رب العالمين ، متنعمين بالرضا ، والرضوان فيا لحسرة ، هؤلاء ، وقد فاتهم ، وبلوا بما بلوا به ، ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذاتها ثم إنهم لو لم يشاهدوا نعيم الجنة لم تعظم حسرتهم ، لكنها تعرض عليهم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى : يوم القيامة بناس من النار إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها ، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ، نودوا أن اصرفوهم عنها ، لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها ، فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك ، وما أعددت فيها لأوليائك ، كان أهون علينا ، فيقول الله تعالى : ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراءون الناس ، بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم الناس ولم تهابوني ، وأجللتم الناس ، ولم تجلوني ، وتركتم للناس ، ولم تتركوا لي ، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثواب المقيم وقال أحمد بن حرب إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس ، ثم لا يؤثر الجنة على النار .

وقال عيسى عليه السلام : كم من جسد صحيح ، ووجه صبيح ، ولسان فصيح ، غدا بين أطباق النار يصيح .

وقال داود إلهي ، لا صبر لي على حر شمسك ، فكيف صبري على حر نارك ، ولا صبر لي على صوت رحمتك فكيف على صوت عذابك .

فانظر يا مسكين في هذه الأهوال ، واعلم أن الله تعالى خلق النار بأهوالها ، وخلق لها أهلا لا يزيدون ولا ينقصون وأن ، هذا أمر قد قضي وفرغ منه قال الله تعالى : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون .

ولعمري الإشارة به إلى يوم القيامة بل في أزل الأزل ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء فالعجب ، منك حيث تضحك ، وتلهو ، وتشتغل بمحقرات الدنيا ، ولست تدري أن القضاء بماذا سبق في حقك .

فإن قلت : فليت شعري ماذا موردي ؟ وإلى ماذا مآلي ومرجعي ؟ وما الذي سبق به القضاء في حقي ؟ فلك علامة تستأنس بها ، وتصدق رجاءك بسببها ، وهو أن تنظر إلى أحوالك ، وأعمالك ، فإن كلا ميسر لما خلق له فإن كان قد يسر لك سبيل الخير فأبشر ، فإنك مبعد عن النار ، وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ويتيسر لك أسبابه ، فاعلم أنك مقضي عليك فإن دلالة هذا على العاقبة ، كدلالة المطر على النبات ، ودلالة الدخان على النار .

فقد قال الله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم فاعرض نفسك على الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين والله أعلم .

التالي السابق


(ثم تفكر بعد ذلك في تعظيم أجسام أهل النار، فإن الله تعالى يزيد في أشخاصهم طولا وعرضا; حتى يتزايد عقابهم بسببه، فيحسون بلفح النار، ولدغ العقارب، والحيات) ، من جميع (أجزائها، دفعة واحدة على التوالي .

قال أبو هريرة ) -رضي الله عنه-: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ضرس الكافر في النار مثل أحد ) ، وهو الجبل المعروف، (وغلظ جلده مسيرة ثلاث) . قال العراقي : رواه مسلم، اهـ .

قلت: رواه كذلك الترمذي، ورواه البزار من حديث ثوبان، بلفظ: وغلظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار . وفي لفظ للترمذي، من حديث أبي هريرة : ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث، مثل الربذة . وقال: حسن غريب، وفي لفظ له، والحاكم : إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة . ورواه أحمد، والحاكم، بلفظ: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده في النار ما بيني وبين الربذة . ورواه ابن ماجه، من حديث أبي سعيد : إن الكافر ليعظم حتى إن ضرسه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه . (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: شفته السفلى ساقطة على صدره، والعليا قالصة قد غطت وجهه ) . قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي سعيد، وقال: حسن صحيح غريب، اهـ .

قلت: رواه في تفسير قوله تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون قال: تشويه النار، فتقلص شفته حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وهكذا رواه أحمد، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية .

وروي عن ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: وهم فيها كالحون قال: بدت أسنانهم، وتقلصت شفاههم .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: إن الكافر ليجر لسانه في سجين يوم القيامة يتوطؤه الناس) ، أي: يطؤنه بأرجلهم. قال العراقي : رواه الترمذي من رواية أبي المخارق، عن ابن عمر، وقال: غريب، وأبو المخارق لا يعرف، اهـ .

قلت: وكذلك رواه هناد، والبيهقي، ولفظهم: ليسحب لسانه يوم القيامة الفرسخ والفرسخين، والباقي سواء، ورواه أحمد، بلفظ: ليجر لسانه يوم القيامة وراءه قدر فرسخين. ورواه الطبراني في الكبير، بلفظ: إن أهل النار يعظمون في النار، حتى يصير ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وغلظ جلد أحدهم أربعين ذراعا، وضرسه أعظم من جبل أحد، (ومع عظم الأجسام كذلك تحرقهم النار مرات، فتجدد جلودهم ولحومهم. قال الحسن) البصري -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها قال) : بلغني أنه (تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم، قيل لهم: عودوا) كما كنتم، (فيعودون كما كانوا) . رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وقال كعب : يبدلون في كل ساعة مائة وعشرين مرة، وسمعه عمر -رضي الله عنه- فصدقه على ذلك، وقال: هكذا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواه أبو نعيم في الحلية .

(ثم تفكر الآن في بكاء أهل النار، و) زفيرهم، و (شهيقهم، ودعائهم بالويل والثبور) ، والحسرة، (فإن ذلك يسلط عليهم في أول إلقائهم في النار) ، وعند مشاهدة أهوالها .

(قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف [ ص: 518 ] ملك) . قال العراقي : رواه مسلم، من حديث ابن مسعود، اهـ .

قلت: كذلك رواه الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، بزيادة: يجرونها في الآخرة. ورواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي أيضا، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، عن ابن مسعود، قال: جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف زمام، فتشرد شردة، لو تركت لأحرقت أهل الجمع . ومن حديث علي : إذا كان يوم القيامة تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، بيد سبعين ألف ملك، فتشرد شردة، لولا أن الله حبسها لأحرقت السموات والأرض .

وروى ابن وهب في كتاب الأهوال، عن زيد بن أسلم، مرسلا، رفعه: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها.

(وقال أنس ) -رضي الله عنه-: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يرسل على أهل النار البكاء، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت ) . قال العراقي : رواه ابن ماجه، من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، والرقاشي ضعيف، اهـ .

قلت: ورواه كذلك ابن عساكر، وروى الحاكم، من حديث أبي موسى الأشعري : إن أهل النار يبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم . والرقاشي غلب عليه الزهد، والانفراد، ومع ذلك فقد روى عنه الأعلام كالأعمش، والأوزاعي، وحجاج بن أرطاة، وزيد العمي، ومحمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وعطاء بن السائب، والحمادان، وغيرهم، وقد روى له البخاري في التاريخ، والترمذي، وابن ماجه .

(وما دام يؤذن لهم في البكاء، والشهيق، والزفير، والدعوة بالويل والثبور، فلهم فيه مستراح) ، ومتسلى، (ولكنهم يمنعون أيضا من ذلك، قال محمد) بن كعب القرظي المدني التابعي: ( لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله -عز وجل- في أربعة، فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا، يقولون: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل فيقول الله تعالى مجيبا لهم: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ثم يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون فيجيبهم الله تعالى: أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال فيقولون: ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فيجيبهم الله: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ثم يقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيجيبهم الله تعالى: اخسئوا فيها ولا تكلمون فلا يتكلمون بعد هذا أبدا، وذلك غاية شدة العذاب) . رواه سعيد بن منصور، وابن جرير في التفسير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب .

(قال مالك بن أنس ) الإمام -رحمه الله تعالى-: (قال) أبو أسامة (زيد ابن أسلم) العدوي مولاهم التابعي الثقة، (في قوله تعالى: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص قال: صبروا مائة سنة، ثم جزعوا مائة سنة، ثم قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) رواه أبو نعيم في الحلية، قال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا أحمد بن المثنى، حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، فذكره، ولفظه: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود، لا موت، ويا أهل النار خلود، لا موت) . قال العراقي : رواه البخاري من حديث ابن عمر، ومسلم من حديث أبي سعيد، وقد تقدم، اهـ .

قلت: ورواه الطبراني من حديث ابن عمر، بلفظ: يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون، ويقولون: نعم، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود، فلا موت، ويا أهل النار ،خلود، فلا [ ص: 519 ] موت،

وروي عن أنس مختصرا: يؤتى بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح . هكذا رواه أبو يعلى، والضياء عنه، والترمذي من حديث أبي سعيد : يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، فيشرئبون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع، ويذبح، فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها لماتوا ترحا .

وروى هناد، وأحمد، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة : يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمر به، فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين: كلاكما خلود فيما تجدون، لا موت فيها أبدا .

وللبخاري من حديث ابن عمر : يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار، لا موت، خلود، يا أهل الجنة، لا موت، خلود . رواه مسلم نحوه، وفيه: كل خالد فيما هو فيه .

وروى الطبراني من حديث ابن مسعود : لو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد.

(وعن الحسن ) البصري -رحمه الله تعالى- (قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، وليتني كنت ذلك الرجل) . يشير إلى ما رواه أحمد، وابن خزيمة، والبيهقي من حديث أنس : أن عبدا في جهنم ينادي ألف سنة: يا حنان، يا منان، فيقول الله لجبريل : اذهب فائتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل ... الحديث، وفيه: فيقول: دعوا عبدي... تقدم في كتاب الخوف والرجاء .

(ورؤي الحسين ) بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- (جالسا في زاوية) من زوايا البيت، (وهو يبكي، فقيل) له: (لم تبكي: فقال: أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي) ، نزع به إلى الخبر: أن الله تعالى قبض قبضة من بني آدم، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة أخرى، فقال: وهؤلاء في النار ولا أبالي. كما تقدم، وإيراد المصنف هذين القولين هنا إشارة إلى تهويل أمر النار، وأنه مما ينبغي أن يتصور السالك ذلك في نفسه ويشتد خوفه. (فهذه أصناف عذاب جهنم على الجملة، وتفصيل غمومها، وأحزانها، ومحنها، وحسرتها، لا نهاية له) .

ومن ذلك ما رواه أبو يعلى، والعقيلي ، وابن عدي، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم، من حديث أبي موسى الأشعري : إن في جهنم واديا، وفي ذلك الوادي بئر يقال له هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار . وتقدم ذلك للمصنف، وروى ابن عدي، وابن عساكر، من حديث أنس : إن في جهنم رحا تطحن علماء السوء طحنا . ورواه ابن عساكر أيضا، من حديث ابن عمر، بلفظ: تطحن جبابرة العلماء طحنا، وفيه إبراهيم بن عبد الله بن همام كذاب، وروى الديلمي من حديث أبي هريرة : إن في جهنم أرحية تدور بالعلماء، فيشرف عليهم من كان عرفهم في الدنيا، فيقولون: ما صيركم إلى هذا؟ وإنما كنا نتعلم منكم، فيقولون: إنا كنا نأمركم بأمر ونخالفكم إلى غيره . وروى الحاكم من حديث أسامة بن زيد : يؤتى بالوالي الذي كان يطاع في معصية الله، فيؤمر به إلى النار، فيقذف فيها، فتندلق به أقتابه، فيستدير فيها كما يستدير الحمار في الرحى، فيأتي على أهل طاعته من الناس فيقولون: أي ذل! أين ما كنت تأمرنا؟ فيقول: كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره . وروى الحميدي، والعدني نحوه، وروي مثله في علماء السوء، من حديث أبي أمامة، وتقدم للمصنف .

وروى البزار، من حديث سعد : إن في النار جحرا يقال له ويل، يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه. وروى أحمد، والترمذي وصححه، والطبراني، والحاكم، من حديث ابن عمر : لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا، الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصلها، أو قعرها .

وروى الطبراني، وابن مردويه، من حديث أنس : لو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من بالمغرب . وفي رواية له: لو أن شررة من جهنم وقعت في وسط الأرض، لأنتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب.

وروى الطبراني، وابن جرير، والبيهقي، من حديث أبي أمامة : لو أن صخرة وزنت عشر خلفات قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها سبعين خريفا، حتى ينتهي إلى غي وأثام، وقيل: وما غي وأثام؟ قال: بئران في جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار . ورواه [ ص: 520 ] الحاكم، من حديث أبي هريرة، بلفظ: لو أخذ سبع خلفات بشحومهن فألقين من شفير جهنم، ما انتهين إلى آخرها سبعين عاما.

وروى ابن جرير، عن ابن عمر، في قوله تعالى: يلق أثاما قال: واد في جهنم، وزاد مجاهد، فقال: من قيح ودم، رواه الفريابي، وقال عكرمة : أثام: أودية في جهنم، فيها الزناة، ورواه ابن جرير، وقال قتادة : كنا نحدث أنه واد في جهنم. رواه عبد بن حميد، وروى ابن المبارك في الزهد، عن شقي الأصبحي، قال: إن في جهنم واديا يدعى أثاما، فيه حيات، وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة.

وروى أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، والضياء، من حديث أبي سعيد : لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد كما يضرب أهل النار، لتفتت وعاد غبارا .

وروى هناد من حديث أبي موسى : لو أن حجرا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها . ومن حديث أنس : لو أن حجرا مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها .

(فأعظم الأمور عليهم مع ما يلاقونه من شدة العذاب حسرة فوت نعيم الجنة، وفوت لقاء الله، وفوت رضاه مع علمهم بأنهم باعوا كل ذلك بثمن بخس، ودراهم معدودة; إذ لم يبيعوا ذلك إلا بشهوات حقيرة في الدنيا، أياما قصيرة، وكانت غير صافية، بل كانت مكدرة منغصة) بشوائب الغموم الطارقة، والهموم المترادفة، (فيقولون في أنفسهم: واحسرتاه، كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربنا؟! وكيف لم نكلف أنفسنا الصبر أياما قلائل؟! ولو صبرنا لكانت قد انقضت عنا أيامه، وبقينا الآن في جوار رب العالمين، متنعمين بالرضا، والرضوان، فيا لحسرة هؤلاء، وقد فاتهم ما فاتهم، وبلوا بما بلوا به، ولم يبق شيء معهم من نعيم الدنيا ولذاتها) ; لانقضائها بمفارقتهم لها .

(ثم إنهم لو لم يشاهدوا نعيم الجنة لم تعظم حسرتهم، لكنها تعرض عليهم) ، ويشاهدونها بالقرب منهم، (فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يؤمر يوم القيامة بناس من النار إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها) ، وتقربوا لها، (واستنشقوا رائحتها) ، وإن رائحتها لتوجد من مسيرة خمسمائة عام .

(ونظروا إلى قصورها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، نودوا أن اصرفوهم عنها، لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك، وما أعددت فيها لأوليائك، كان أهون علينا، فيقول: ذاك أردت منكم) يا أشقياء، (كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم) ، أي: بكبائر المعاصي، وشدائد المخالفات، (وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين) ، أي: خاشعين، (تراؤن الناس، بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس) ، أي: خفتموهم، (ولم تهابوني، وأجللتم الناس، ولم تجلوني، وتركتم للناس، ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم) ، أي: المؤلم الموجع، (مع ما حرمتكم من الثواب المقيم) . قال العراقي : رويناه في الأربعين لأبي هدبة، عن أنس، وأبو هدبة: إبراهيم بن هدبة هالك، اهـ .

قلت: لكن رواه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، وابن النجار، من حديث عدي بن حاتم، وليس فيه أبو هدبة المذكور، وله شاهد جيد من حديث سالم مولى أبي حذيفة، عند ابن قانع : يؤتى بأقوام من ولد آدم يوم القيامة، معهم حسنات كالجبال، حتى إذا دنوا وأشرفوا على الجنة، نودوا: لا نصيب لكم فيها .

(قال أحمد بن حرب) النيسابوري الزاهد: (إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس، ثم لا يؤثر الجنة على النار .

وقال عيسى -عليه السلام-: كم من جسد صحيح، ووجه صبيح، ولسان فصيح، غدا بين أطباق النار يصيح .

وقال داود) -عليه السلام- في بعض مناجاته: (إلهي، لا صبر لي على حر شمسك، فكيف صبري على حر نارك، ولا صبر لي على صوت رحمتك) ، وهو الرعد، (فكيف صبري على صوت [ ص: 521 ] عذابك) ؟

وقد خاطب به عمر بن عبد العزيز، سليمان بن عبد الملك، وهم بعرفة، وقد أرعدت السماء، فقال له: هذا صوت رحمته، وقد خفت منه، فكيف بصوت عذابه غدا؟ كما في الحلية .

(فانظر يا مسكين في هذه الأهوال، واعلم أن الله تعالى خلق النار بأهوالها، وخلق لها أهلا لا يزيدون ولا ينقصون، وإن هذا أمر قد قضي وفرغ منه) . روى الطبراني في الأوسط، والصغير، والخطيب في تاريخه، من حديث أبي هريرة : إن الله -عز وجل- خلق الجنة، وخلق لها أهلا، بعشائرهم، وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا، بعشائرهم، وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، اعملوا فكل ميسر لما خلق له .

وروى أحمد من حديث ابن عمرو : إن الله تعالى خلق خلقه، ثم جعلهم في ظلمة، ثم أخذ من نوره ما شاء فألقاه عليهم، فأصاب النور من شاء أن يصيبه، وأخطأ من شاء، فلذلك أقول: جف القلم بما هو كائن .

(قال الله تعالى: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ولعمري الإشارة به إلى يوم القيامة) ، إذ يوم الحسرة هو يوم القيامة كما تقدم، (بل في أزل الأزل) ، وهو القدم الذي ليس له ابتداء، (ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء، فالعجيب منك حيث تضحك، وتلهو، وتشتغل بمحقرات الدنيا، ولست تدري أن القضاء بماذا سبق في حقك) ، ومن كان بهذه المثابة فيحق له أن يبكي ويحزن .

(فإن قلت: فليت شعري ماذا موردي؟ وإلى ماذا مآلي ومرجعي؟ وما الذي سبق به القضاء في حقي؟ فلك علامة تستأنس بها، وتصدق رجاءك بسببها، وهو أن تنظر إلى أحوالك، وأعمالك، فإن كلا ميسر لما خلق له) .

وقد تقدم حديث أبي هريرة قريبا: اعملوا فكل امرئ ميسر لما خلق له .

وروى الطبراني من حديث عمران بن الحصين : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . وفي رواية: لما يهدى له من القول . وروى أحمد، وابن سعد، والحكيم، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي : إن الله تعالى خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، قيل يا رسول الله: على ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر، (فإن كان قد يسر لك سبيل الخير فأبشر، فإنك مبعد عن النار، وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق) ، أي: الموانع، (فتدفعه) ، وتمنعك عن فعله، (ولا تقصد شرا إلا وتتيسر لك أسبابه، فاعلم أنك مقضي عليك) .

ومصداق هذا ما رواه مالك، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والآجري في الشريعة، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء من حديث عمر : إن الله تعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار، (فإن دلالة هذا على العاقبة، كدلالة المطر على النبات، ودلالة الدخان على النار) ، فإنها دلالة قوية لا تكاد تخلف، (فقد قال الله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم فاعرض نفسك على الآيتين) المذكورتين، (وقد عرفت مستقرك من الدارين) ، إما دار النعيم، إن كنت من الأبرار، وعملك كعملهم، أو دار الجحيم، إن كنت فاجرا من الفجار، وعملك كعملهم، والله الموفق .




الخدمات العلمية