الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها ، المستبشرة بعملها وعلمها وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة المستشعرة ذل نفسها استشعارا ، إذا ذل واهتضم لم يحس بالذل ، كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه ، فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته إلى الذل ، بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه ، بل يرى نفسه دون ذلك حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته ، فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادئ هذه الروائح ، فإن فقدنا مثل هذا القلب ، وحرمنا مثل هذا الروح ، فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله ، فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محبا لأولياء الله مؤمنا بهم فعسى أن يحشر مع من أحب .

ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام : قال لبني إسرائيل : أين ينبت الزرع ؟ قالوا : في التراب . فقال : بحق أقول لكم ، لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب .

ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإذلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة ، حتى روي أن ابن الكرنبي وهو أستاذ الجنيد دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات ، ثم كان يرده ، ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة ، فسأله عن ذلك ، فقال : قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ، ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود ، ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت .

وعنه أيضا أنه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فتشتت علي قلبي فدخلت الحمام وعدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ، ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت ، وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربا ، فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي .

فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ، ثم من النظر إلى النفس ، فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى ، وشغله بنفسه حجاب له ، فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد وتخلل حائل ، وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسه ، وأعظم الحجب شغل النفس .

ولذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد فقال له يوما : أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر ، وأقوم الليل لا أنام ، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا وأنا أصدق به وأحبه . فقال أبو يزيد ولو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة . قال : ولم ؟ قال : لأنك محجوب بنفسك . قال : فلهذا دواء ؟ قال : نعم . قال : قل لي حتى أعمله . قال : لا تقبله . قال : فاذكره لي حتى أعمل . قال : اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا ، واجمع الصبيان حولك ، وقل : كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة . وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك فقال الرجل : سبحان الله ! تقول لي مثل هذا ؟! فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك . قال : وكيف ؟ قال : لأنك عظمت نفسك فسبحتها وما سبحت ربك . فقال : هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره . فقال : ابتدئ بهذا قبل كل شيء . فقال : لا أطيقه قال . : قد قلت لك إنك لا تقبل . فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه ، ولا ينجي من هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله ، فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض ، أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا .

فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها ، فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا .

وهذه أمور جلية في الشرع واضحة ، وهي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :

لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته ، وحتى يكون أن لا يعرف أحب من أن يعرف وقد قال عليه السلام : ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه ؛ لا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على الدنيا وقال عليه السلام : لا يكمل إيمان عبد حتى يكون فيه ثلاث خصال ؛ إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له وفي حديث آخر ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ؛ العدل في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر ، وخشية الله في السر والعلانية فهذه شروط ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولي الإيمان ، فالعجب ممن يدعي علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط ، ثم يكون نصيبه من علمه وعقله أن يجحد ما لا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات عظيمة علية وراء الإيمان ، وفي الأخبار أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : إنما اتخذ لخلتي من لا يفتر عن ذكري ، ولا يكون له هم غيري ، ولا يؤثر علي شيئا من خلقي ، وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا ، وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألما .

فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب من الكرامات والمكاشفات ، وكل ذلك وراء الحب ، والحب وراء كمال الإيمان ، ومقامات الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له .

ولذلك قال عليه السلام للصديق : رضي الله تعالى عنه : إن الله تعالى قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بي من أمتي ، وأعطاني مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم .

التالي السابق


(وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها، المستبشرة بعلمها وعملها) الراضية بأحوالها (وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة المستشعرة ذلك نفسها استشعارا، إذا أذل واهتضم لم يحس بالذل، كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه، فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته إلى الذل، بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه، بل يرى نفسه دون ذلك حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته، فمثل هذا القلب يرجى له أن [ ص: 677 ] يستنشق مبادي هذه الروائح، فإن فقدنا مثل هذا القلب، وحرمنا مثل هذه الروح، فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله، فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله تعالى فليكن محبا لأولياء الله تعالى مؤمنا بهم) مصدقا لهم في أقوالهم، مسلما لأحوالهم (فعسى أن يحشر مع من أحب) فمن أحب قوما حشر معهم، كما في الخبر وتقدم قريبا (ويشهد لهذا ما روي أن عيسى -عليه السلام- قال لبني إسرائيل: أين ينبت الزرع؟ قالوا: في التراب. فقال: بحق أقول لكم، لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب .

ولقد انتهى المريدون لولاية الله -عز وجل- في طلب شروطها بإذلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة، حتى روي أن ابن الكرنبي) بفتح الكاف والراء وسكون النون وكسر الموحدة، أبو خليفة الصوفي (وهو أستاذ الجنيد) خرج إلى عبادان، ترجمه الخطيب في التاريخ، وكرنبا بلد بخراسان، وقد وقع هنا في نسخ الكتاب تصحيف فليحذر (دعاه رجل إلى طعامه ثلاث مرات، ثم كان يرده، ثم يستدعيه فيرجع بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة، فسأله عن ذلك، فقال: قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد، ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود، ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت و) حكي (عنه أيضا أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح) والديانة (فتشتت قلبي فدخلت الحمام وعنيت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها، ثم لبست مرقعتي وخرجت، وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربا، فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي) ، وقد اعترض ابن القيم وغيره على المصنف في تقريره هذا الكلام والتسليم له، وأن هذا لا يجوز شرعا، وقد أجاب عنه العارفون منهم سيدي عبد الوهاب الشعراني -قدس سره- في كتابه "الأجوبة المرضية عن السادة الصوفية" وأشرنا إلى بعضه في خطبة كتاب العلم (فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق، ثم من النظر إلى النفس، فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى، وشغله بنفسه حجاب له، فليس بين القلب وبين الله تعالى حجاب بعد وتخلل حائل، وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسها، وأعظم الحجب شغل النفس؛ ولذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد) البسطامي -رحمه الله تعالى- (فقال له يوما: يا أبا يزيد، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر، وأقوم الليل لا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا) يعني علم المعرفة (وأنا أصدق به وأحبه. فقال أبو يزيد) -رحمه الله تعالى- (ولو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة. قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس) الذي عليك (واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا، واجمع الصبيان حولك، وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة. وادخل السوق وطف بالأسواق كلها عند الشهود) وهم الرفقاء له في صنعته (وعند من يعرفك) ويعظمك (وأنت على ذلك) الحال (فقال الرجل: سبحان الله! تقول لي مثل هذا؟! فقال أبو يزيد) -رحمه الله تعالى- (قولك سبحان [ ص: 678 ] الله شرك. قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله) ، أي: لا أقدر على فعله (ولكن دلني على غيره. فقال: ابتدئ بهذا) الذي قلته لك (قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك أنك لا تقبل. فهذا الذي ذكره أبو يزيد) -رحمه الله تعالى- (هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه، ولا ينجي من هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله، فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض، أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا، فأقل درجات الصحة الإيمان بمكانها، فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا، وهذه أمور جلية في الشرع واضحة، وهي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته، وحتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف) .

قال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي بن أبي طلحة، وهو إنما سمع من التابعين فهو معضل، وقد تقدم (وقال -صلى الله عليه وسلم-: ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه؛ لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا) . قال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة، وفيه سالم المرادي، ضعفه ابن معين والنسائي، ووثقه ابن حبان، واسم أبيه عبد الواحد. اهـ .

قلت: وكذلك رواه ابن عساكر في التاريخ وسالم، وهذا يكنى أبا العلاء، كوفي شيعي روى له الترمذي، وهو مقبول الرواية (وقال -صلى الله عليه وسلم-: لا يكمل إيمان العبد حتى تكون فيه ثلاث خصال؛ إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له ) .

قال العراقي: رواه الطبراني في الصغير من حديث أنس بلفظ: ثلاث من أخلاق الإيمان. وإسناده ضعيف. اهـ .

قلت: لفظه: من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر لم يتعاط ما ليس له. وفيه بشر بن الحسين كذاب .

(وفي حديث آخر) قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود؛ العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية) .

قال العراقي: غريب بهذا اللفظ، والمعروف: ثلاث منجيات ... فذكرهن بنحوه، وقد تقدم. اهـ .

قلت: ليس بغريب، بل رواه هكذا الحكيم في النوادر من حديث أبي هريرة (فهذه شروط ذكرها -صلى الله عليه وسلم- لأولي الإيمان، فالعجب ممن يدعي علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط، ثم يكون نصيبه من عمله وعقله أن يجحد ما لا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات علية عظيمة وراء الإيمان، وفي الأخبار) الإسرائيلية: (إن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: إنما أتخذ لخلتي من لا يفتر عن ذكري، ولا يكون له هم غيري، ولا يؤثر علي شيئا غيري من خلقي، وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا، وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألما) نقله صاحب القوت. (فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب من الكرامات والمكاشفات، وكل ذلك وراء الحب، والحب وراء كمال الإيمان، ومقامات الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- للصديق -رضي الله عنه-: إن الله تعالى قد أعطاك مثل كل من آمن من أمتي، وأعطاني مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم) . قال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من رواية الحارث [ ص: 679 ] الأعور، عن علي، مع تقديم وتأخير، والحارث ضعيف .




الخدمات العلمية