الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والأخبار الواردة في الصبر على المصائب كثيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يصب منه وقال صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا وقال عليه السلام ما من عبد أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله تعالى إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها إلا فعل الله ذلك به وقال صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : من سلبته كريمتيه فجزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي وروي أن رجلا قال : يا رسول الله ذهب مالي ، وسقم جسمي ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا خير في عبد لا يذهب ماله ، ولا يسقم جسمه ، إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ، وإذا ابتلاه صبره وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرجل لتكون له الدرجة عند الله تعالى لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك وعن خباب بن الأرت قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردائه في ظل الكعبة ، فشكونا إليه ، فقلنا : يا رسول الله ألا تدعو الله تستنصره لنا ؟ فجلس محمرا لونه ، ثم قال : إن من كان قبلكم ليؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض حفيرة ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه وعن علي كرم الله وجهه قال : أيما رجل حبسه السلطان ظلما فمات فهو شهيد ، وإن ضربه فمات فهو شهيد وقال عليه السلام من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ، ولا تذكر مصيبتك وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه تولدون للموت ، وتعمرون للخراب ، وتحرصون على ما يفنى ، وتذرون ما يبقى ، ألا حبذا المكروهات الثلاث : الفقر ، والمرض ، والموت وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا ، وأراد أن يصافيه ، صب عليه البلاء صبا ، وثجه عليه ثجا ، فإذا دعاه قالت الملائكة صوت معروف ، وإن دعاه ثانيا فقال : يا رب ، قال الله تعالى لبيك عبدي وسعديك ، لا تسألني شيئا إلا أعطيتك ، أو دفعت عنك ما هو خير وادخرت لك عندي ما هو أفضل منه .

فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوفوا أعمالهم بالميزان أهل الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ، ولا ينشر لهم ديوان ، يصب عليهم الأجر صبا ، كما كان يصب عليهم البلاء صبا ، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب ؛ فذلك قوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : شكا نبي من الأنبياء عليهم السلام إلى ربه فقال : يا رب العبد المؤمن يطيعك ، ويجتنب معاصيك ، تزوي عنه الدنيا : وتعرض له البلاء : ويكون الكافر لا يطيعك ويجترئ عليك وعلى معاصيك تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا ؟! فأوحى الله تعالى إليه إن العباد ، والبلاء لي ، وكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا ، وأعرض له البلاء ، فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقاني فأجزيه بحسناته ويكون الكافر له الحسنات فأبسط له في الرزق وأزوي عنه البلاء فأجزيه بحسناته في الدنيا حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته

وروي أنه لما نزل قوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به ، قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : كيف الفرح بعد هذه الآية ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تمرض ؟! ألست يصيبك الأذى ؟! ألست تحزن ؟! فهذا مما تجزون به . يعني أن جميع ما يصيبك يكون كفارة لذنوبك وعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا رأيتم الرجل يعطيه الله ما يحب وهو مقيم على معصيته فاعلموا أن ذلك استدراج ثم قرأ قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء يعني لما تركوا ما أمروا به فتحنا عليهم أبواب الخير حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي بما أعطوا من الخير أخذناهم بغتة

وعن الحسن البصري رحمه الله أن رجلا من الصحابة رضي الله عنهم رأى امرأة كان يعرفها في الجاهلية فكلمها ثم تركها ، فجعل الرجل يلتفت إليها وهو يمشي فصدمه حائط فأثر في وجهه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا وقال علي كرم الله وجهه : ألا أخبركم بأرجى آية في القرآن ؟ قالوا : بلى ، فقرأ عليهم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير : فالمصائب في الدنيا بكسب الأوزار فإذا عاقبه الله في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانيا ، وإن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه يوم القيامة وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما تجرع عبد قط جرعتين أحب إلى الله من جرعة غيظ ردها بحلم ، وجرعة مصيبة يصبر الرجل لها ، ولا قطرت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم أهريقت في سبيل الله ، أو قطرة دمع في سواد الليل وهو ساجد ، ولا يراه إلا الله ، وما خطا عبد خطوتين أحب إلى الله تعالى من خطوة إلى صلاة الفريضة ، وخطوة إلى صلة الرحم

.

التالي السابق


(والأخبار الواردة في الصبر على المصائب كثيرة) منها (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يصب منه) أي نيل منه بالمصائب ويبتليه بها. قال العراقي: رواه البخاري من حديث أبي هريرة انتهى .

قلت: ورواه كذلك أحمد والنسائي وابن حبان وقد تقدم الكلام على هذا الحديث. (وقال صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: إذا وجهت إلى عبدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا) رواه الحكيم في النوادر والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس وقد أغفله العراقي. (وقال صلى الله عليه وسلم: ما من عبد أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله تعالى: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني منها خيرا إلا فعل الله له ذلك) . رواه الطيالسي وأحمد وأبو نعيم في الحلية من رواية أم سلمة عن أبي سلمة بلفظ: "ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأعقبني منها خيرا إلا أعطاه لله ذلك". ورواه ابن سعد في الطبقات بلفظ: "ما من عبد يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمره الله به من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي هذه وعضني خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وكان قمنا أن يعوضه الله خيرا منها"، وقد أغفله العراقي.

(وقال صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: من سلبت كريمتيه فجزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي) رواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث جرير بلفظ: "عوضته عنهما الجنة". ورواه أبو يعلى وابن حبان والضياء من حديث ابن عباس قال الله تعالى: "إذا أخذت كريمتي عبد فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة". وقد تقدم الكلام عليه وأغفله العراقي. (وروي أن رجلا قال: يا رسول الله ذهب مالي، وسقم جسمي، فقال صلى الله عليه وسلم: لا خير في عبد لا يذهب ماله، ولا يسقم جسمه، إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، وإذا ابتلاه صبر) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد فيه لين. انتهى .

قلت: الجملة الأولى قد رويت من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي بلفظ: "لا خير في مال لا يرز أو جسد لا ينال منه"، والجملة الثانية روي نحوها من حديث أبي عتبة الخولاني بلفظ: "إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا ابتلاه، فإذا ابتلاه اقتناه، قالوا: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لم يترك له مالا ولا ولدا". روى الطبراني وابن عساكر، وروى البيهقي من حديث أبي هريرة: "إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ليسمع صوته"، وعند هناد: "ليسمع تصرعه"، وعن الحسن مرسلا: "إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم"، رواه البيهقي. وروى أحمد من حديث محمود بن لبيد: "إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع".

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الرجل لتكون له الدرجة عند الله تعالى لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك) . قال العراقي: رواه أبو داوود في رواية ابن داسة وابن العبد من حديث محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده، وليس في رواية اللؤلؤي، ورواه أحمد وأبو يعلى والطبراني من هذا الوجه، ومحمد بن خالد لم يرو عنه إلا أبو المليح الحسن بن عمر الرقي، وكذلك لم يرو عن خالد إلا ابنه محمد، وذكر أبو نعيم أن ابن منده سمى جده اللجلاج بن حكيم فالله أعلم، وعلى هذا فابنه خالد بن اللجلاج هو غير خالد بن اللجلاج العامري ذاك مشهور روى عنه جماعة. ورواه ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر في [ ص: 143 ] الصحابة من رواية عبد الله بن أبي إياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده، ورواه البيهقي من رواية إبراهيم السلمي عن أبيه عن جده، فالله أعلم. انتهى. ورواه كذلك هناد بن السري من حديث ابن مسعود، ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم وتعقب .

وقال الحافظ في الإصابة: روى ابن شاهين من طريق الوليد بن صالح عن أبي المليح الرقي حدثنا محمد بن خالد بن زيد بن جارية، بالجيم، عن أبيه عن جده سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان للعبد عند الله درجة لم ينله إياها ابتلاه في الدنيا ثم صبره على البلاء لينيله تلك الدرجة"، قال: وقد رواه ابن منده في ترجمة للحلاج بن حكيم السلمي، وزعم أنه أخو الحجاف بن حكيم، وأنه في أهل الجزيرة، وساق حديثه من طريق أبي المليح أيضا إلا أنه لم يسم والد خالد بل قال عن محمد بن خالد عن أبيه عن جده، وكذا أورده البخاري في ترجمة محمد بن خالد، وأخرجه أبو داوود من رواية ابن داسة عنه في السنن، ولم أر والد خالد سمي إلا في رواية ابن شاهين، وقال البغوي في الكنى: أبو خالد السلمي جد محمد بن خالد ثم أورد له هذا الحديث من طريق أبي المليح عن محمد بن خالد السلمي عن جده، وكانت له صحبة. وأما حديث أبي فاطمة فقال الحافظ في الإصابة في ترجمة أبي فاطمة الضمري: قال البخاري: قال ابن أبي أويس: حدثني أخي عن حماد بن أبي حميد عن مسلم بن عقيل مولى الزرقيين: دخلت على عبيد وابن أبي إياس بن أبي فاطمة الضمري فقال: يا أبا عقيل حدثني أبي عن جدي قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟.... الحديث، وفيه: إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه أو لعلة له فإن له منزلة عنده فلا يبلغه تلك المنزلة إلا ببلائه له. هكذا أورده في ترجمة أبي عقيل المذكور ووقع لن يعلو في المعرفة لابن منده من طريق أبي عامر العقدي عن محمد بن أبي حميد وهو حماد عن مسلم ابن عقيل عن عبد الله بن أبي إياس عن أبيه عن جده، قال ابن منده: رواه رشدين بن سعد عن زهرة بن معبد عن عبد الله قال الحافظ: إلا أنه سمى أباه أنسا بدل إياس، كذا قال. وقد ساقه الحاكم أبو أحمد من طريق رشدين، فقال إياس: فلعل الوهم من النسخة .

(وعن خباب بن الأرت) بتشديد المثناة بن جندلة بن سعد بن خزيمة التميمي، ويقال: الخزاعي، أبو عبد الله، أسلم سادس ستة، وكان من المستضعفين، شهد بدرا وما بعدها، ونزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين، منصرف علي من صفين عن ثلاث وستين سنة (قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردائه في ظل الكعبة، فشكونا إليه، فقلنا: يا رسول الله ألا تدعو لله تستنصره لنا؟ فجلس محمرا لونه، ثم قال: إن من كان قبلكم ليؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض حفرة ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعله فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه) . قال العراقي: رواه البخاري.

قلت: ورواه كذلك أحمد وأبو داوود والنسائي، وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبد الله بن جعفر بن إسحاق الموصلي، حدثنا محمد بن أحمد بن المثنى حدثنا جعفر بن عون حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن خباب، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع في بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تدعو الله ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمرا وجهه ثم قال: والله إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيشق باثنين ما يصرفه عن دينه شيء أو يمشط بأمشاط الحديد ما بين عصب ولحم ما يصرفه عن دينه شيء، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تعجلون.

(وعن علي كرم الله وجهه قال: أيما رجل حبسه السلطان فمات فهو شهيد، فإن ضربه فمات فهو شهيد) هذا أثر أورده في خلال الأخبار (وقال صلى الله عليه وسلم: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك) تقدم الكلام عليه. وروى صاحب الحلية عن أبي الدرداء قال: ثلاث من ملاك أمر ابن آدم لا تشك مصيبتك، ولا تحدث بوجعك، ولا تزك نفسك بلسانك. (وقال أبو الدرداء) رضي الله عنه: (تولدون للموت، وتعمرون للخراب، وتحرصون على ما يفنى، وتذرون ما يبقى، ألا حبذا المكروهات الثلاث: الفقر، والمرض، والموت) . وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق شعبة عن معاوية بن قسدة قال: قال أبو [ ص: 144 ] الدرداء: "ثلاث أحبهن، ويكرههن الناس: الفقر والمرض والموت"، ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن نشيخ عن أبي الدرداء قال: "أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب الفقر تواضعا لربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي". ومن طريق سعيد بن أبي هلال أن أبا الدرداء كان يقول: "يا معشر أهل دمشق ألا تستحيون؟! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تبلغون" الحديث .

(وعن أنس) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبد خيرا، وأراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبا، وثجه عليه ثجا، فإذا دعاه قالت الملائكة صوت معروف، فإن دعاه ثانيا فقال: يا رب، قال الله تعالى لبيك عبدي وسعديك، لا تسألني شيئا إلا أعطيتك، أو دفعت عنك ما هو خير أو ادخرت لك عندي ما هو أفضل منه. فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوفوا أعمالهم بالميزان أهل الصيام والصدقة والحج، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا، كما كانوا يصب عليهم البلاء صبا، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب؛ فذلك قوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات من رواية بكر بن خنيس عن يزيد الرقائي عن أنس أخصر منه دون قوله: فإذا كان يوم القيامة.... إلخ. وبكر بن خنيس والرقائي ضعيفان، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب بتمامه، وأدخل بين بكر وبين الرقائي ضرار بن عمرو، وهو أيضا ضعيف، اهـ .

قلت: وروى الطبراني في الكبير من حديث أنس: "إذا أحب الله عبدا صب عليه البلاء صبا، وثجه ثجا"، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلا: "إذا أحب الله عبدا ألصق به البلاء، فإن الله يريد أن يصافيه". وروى الديلمي من حديث علي: "إذا رأيتم العبد ألم به الفقر والمرض؛ فإن الله يريد أن يصافيه". وروى ابن النجار في تاريخه من حديث عمر بن الخطاب: "إذا كان يوم القيامة جيء بأهل البلاء فلا ينشر لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، ولا يوضع لهم صراط، ويصب عليهم الأجر صبا". وروى الطبراني من حديث ابن عباس: "يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب، ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، فيصب عليهم الأجر صبا، حتى إن أهل العافية في الدنيا ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله لهم".

(وعن ابن عباس) رضي الله عنه (قال: شكا نبي من الأنبياء) يعني من بني إسرائيل (إلى ربه فقال: يا رب المؤمن يطيعك، ويجتنب معاصيك، تزوي عنه الدنيا) أي: تصرفها عنه (وتعرض له البلاء) أي: تصرفه عنه (وتبسط له الدنيا؟! فأوحى الله إليه أن العباد لي، والبلاء لي، وكل يسبح بحمدي) كما قال تعالى في كتابه العزيز: وإن من شيء إلا يسبح بحمده (فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا، وأعرض له البلاء، فيكون) ذلك (كفارة لذنوبه حتى يلقاني فأجزيه بحسناته في الدنيا حتى يلقاني) في الآخرة (فأجزيه بسيئاته) . وهذا أيضا أثر أورده في خلال الأخبار. (وروي أنه لما نزل قوله تعالى: من يعمل سوءا يجز به ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كيف الفرح بعد هذه الآية؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟! أليس يصيبك الأذى؟! أليس تحزن؟! فهذا ما تجزون به. يعني أن جميع ما يصيبك) من المرض والأذى والحزن (يكون كفارة لذنوبك) . قال العراقي: رواه أحمد من رواية من لم يسم عن أبي بكر، ورواه الترمذي من وجه آخر بلفظ آخر، وضعفه، قال: وليس له إسناد صحيح، وقال الدارقطني وروي [ ص: 145 ] أيضا من حديث عمر، ومن حديث الزبير، قال: ليس فيها شيء يثبت .

(وعن عقبة بن عامر) الجهني رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا رأيتم الرجل يعطيه الله ما يحب وهو مقيم على معصيته فاعلموا أن ذلك استدراج. وقرأ قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء يعني لما تركوا ما أمروا) به (فتحنا عليهم أبواب الخير حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي بما أعطوا من الخير أخذناهم بغتة) أي فجأة. قال العراقي: رواه أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب بسند حسن. (وعن الحسن) بن يسار (البصري رحمه الله تعالى أن رجلا من الصحابة رضي الله عنهم رأى امرأة كان يعرفها في الجاهلية فكلمها ثم تركها، فجعل الرجل يلتفت إليها وهو يمشي فصدمه حائط فأثر في وجهه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا) . قال العراقي: رواه أحمد والطبراني بإسناد صحيح من رواية الحسن عن عبد الله بن مغفل مرفوعا متصلا، ووصله الطبراني أيضا من رواية الحسن عن عمار بن ياسر، ورواه أيضا من حديث ابن عباس، وقد روى الترمذي وابن ماجه المرفوع منه من حديث أنس وحسنه الترمذي اهـ .

قلت: ورواه هناد بن السري من مرسل الحسن: "إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرا أخر عقوبته إلى يوم القيامة، حتى يأتيه كأنه غيره فيطرحه في النار". ورواه الحاكم من حديث أنس وابن عدي من حديث أبي هريرة بلفظ: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة". وحديث الحسن عن عبد الله بن مغفل قد رواه أيضا الحاكم والبيهقي.

(وقال علي كرم الله وجهه: ألا أخبركم بأرجى آية في القرآن؟ قالوا: بلى، فقرأ عليهم) قوله تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأوزار) أي بسبب ارتكابها (فإذا عاقبه الله في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانيا، وإن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه يوم القيامة) . تقدم قريبا حديث علي من رواية الترمذي بلفظ: "من أصاب في الدنيا ذنبا عوقب به، والله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أصاب حدا فيستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه". ومن رواية ابن ماجه إلا أنه قال: من أصاب حدا فعجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل... الحديث. وقد رواه أيضا ابن أبي الدنيا في حسن الظن، والحاكم والبيهقي.

(وعن أنس) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تجرع عبد قط جرعتين أحب إلى الله من جرعة غيظ ردها بحلم، و) من (جرعة مصيبة يصبر الرجل لها، ولا قطرت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم أهريقت في سبيل الله، وقطرة دمع في سواد الليل وهو ساجد، ولا يراه إلا الله، وما خطا عبد خطوتين أحب إلى الله من خطوة إلى الصلاة الفريضة، و) من (خطوة إلى صلة الرحم) . قال العراقي: رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث علي بن أبي طالب دون ذكر القطرتين، وفيه محمد بن صدقة، وهو الفدكي، منكر الحديث. وروى ابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد جيد: "ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله". وروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة: "ما قطر في الأرض قطرة أحب إلى الله عز وجل من دم رجل مسلم في سبيل الله أو قطرة دمع في سواد الليل" الحديث. وفيه محمد بن صدقة وهو الفدكي، منكر الحديث، اهـ .

قلت: وروى ابن أبي الدنيا في ذم الغضب من حديث ابن عباس: "ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد إلا ملأ الله جوفه إيمانا". ويروى حديث ابن عمر بلفظ: "ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" هكذا رواه أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، والطبراني والبيهقي. وروى ابن المبارك في الزهد عن الحسن مرسلا: "ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها رجل أو جرعة صبر على مصيبة، وما قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع من خشية الله أو قطرة دم أهريقت في سبيل الله". وروى أبو الشيخ من حديث ابن عمر: "ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة [ ص: 146 ] مشاها رجل إلى صف يسده..."، وتمام حديث أبي أمامة عند الديلمي بعد قوله "سواد الليل": "من خشية الله لا يراه أحد إلا الله عز وجل".




الخدمات العلمية