الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلت : فهل يبقى مع العبد تدبير وتعلق بالأسباب في هذه الأحوال ؟ فاعلم إن المقام الثالث ينفي التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية ، بل يكون صاحبها كالمبهوت والمقام الثاني ينفي كل تدبير إلا من حيث الفزع إلى الله بالدعاء والابتهال كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط ، والمقام الأول لا ينفي أصل التدبير والاختيار ، ولكن ينفي بعض التدبيرات كالمتوكل على وكيله في الخصومة ، فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل ، ولكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه وكيله به ، أو التدبير الذي عرفه من عادته وسننه دون صريح إشارته ، فأما الذي يعرفه بإشارته بأن يقول له : لست أتكلم إلا في حضورك ، فيشتغل لا محالة بالتدبير للحضور ، ولا يكون هذا مناقضا توكله عليه إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه وقوته في إظهار الحجة ، ولا إلى حول غيره ، بل من تمام توكله عليه أن يفعل ما رسمه له ؛ إذ لو لم يكن متوكلا عليه ولا معتمدا عليه في قوله لما حضر فقوله وأما المعلوم من عادته واطراد سننه فهو أن يعلم من عادته أن لا يحاج الخصم إلا من السجل فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معولا على سنته وعادته ، ووافيا بمقتضاها ، وهو أن يحمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمته فإذا ، لا يستغني عن التدبير في الحضور ، وعن التدبير في إحضار السجل ، ولو ترك شيئا من ذلك كان نقصا في توكله ، فكيف يكون فعله نقصا فيه ؟ نعم بعد أن حضر وفاء بإشارته ، وأحضر السجل وفاء بسنته وعادته ، وقعد ناظرا إلى محاجته فقد ينتهي إلى المقام الثاني والثالث في حضوره ، حتى يبقى كالمبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله وقوته ؛ إذ لم يبق له حول ولا قوة ، وقد كان فزعه إلى حوله وقوته في الحضور وإحضار السجل بإشارة الوكيل وسنته ، وقد انتهى نهايته فلم يبق إلا طمأنينة النفس والثقة بالوكيل ، والانتظار لما يجري ، وإذا تأملت هذا اندفع عنك كل إشكال في التوكل ، وفهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل وأن ، كل تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكل ، بل هو على الانقسام ، وسيأتي تفصيله في الأعمال فإذا فزع المتوكل إلى حوله وقوته في الحضور والإحضار لا يناقض التوكل ؛ لأنه يعلم أنه لولا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا وتعبا محضا بلا جدوى فإذا ، لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله وقوته ، بل من حيث إن الوكيل جعله معتمدا لمحاجته ، وعرفه ذلك بإشارته وسنته فإذا ، لا حول ولا قوة إلا بالوكيل ، إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها في حق الوكيل لأنه ليس خالقا حوله وقوته ، بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما ، ولم يكونا مفيدين لولا فعله ، وإنما يصدق ذلك في حق الوكيل ، وهو الله تعالى ؛ إذ هو خالق الحول والقوة ، كما سبق في التوحيد ، وهو الذي جعلهما مفيدين ؛ إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد فإذا لا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا ، فمن شاهد هذا كله كان له الثواب العظيم الذي وردت به الأخبار فيمن يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله وذلك قد يستبعد فيقال : كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة مع سهولتها على اللسان ، وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها ، وهيهات فإنما ذلك جزاء على هذه المشاهدة التي ذكرناها في التوحيد ، ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة : لا إله إلا الله وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى ؛ إذ في هذه الكلمة إضافة إلى شيئين إلى الله تعالى فقط ، وهما الحول والقوة .

التالي السابق


(فإن قلت: فهل يبقى مع العبد تدبير وتعلق بالأسباب في هذه الأحوال؟ فاعلم أن المقام الثالث ينفي التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية، بل يكون صاحبها كالمبهوت) مدهوشا فرحا بالرازق عن الرزق .

(والمقام الثاني ينفي كل تدبير إلا من حيث الفزع) والالتجاء (إلى الله تعالى بالدعاء) والتضرع (والابتهال) ، وهو (كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط، والمقام الأول لا ينفي أصل التدبير والاختيار، ولكن ينفي بعض التدبيرات كالمتوكل على وكيله في الخصومة، فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل، ولكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه وكيله به، أو التدبير الذي عرفه من عادته وسنته دون صريح إشارته، فأما الذي يعرفه بإشارته فإنه يقول له: لست أتكلم إلا في حضورك، فيشتغل لا محالة بالتدبير للحضور، ولا يكون هذا مناقضا توكله عليه) في تلك الخصومة؛ (إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه وقوته في إظهار الحجة، ولا إلى حول غيره، بل من تمام توكله عليه أن يفعل ما رسمه له؛ إذ لو لم يكن متوكلا عليه ولا معتمدا له في قوله لما حضر بقوله) فهذا ما يعرفه بإشارته الصريحة .

(وأما المعلوم من عادته واطراد سنته فهو أن يعلم من عادته أنه لا يحاج الخصم إلا من السجل) ، وهو الدفتر المكتوب فيه أصل المعاملة، أو الوثيقة التي أثبت فيها أصل ما يتخاصمون عليه (فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معولا على سنته وعادته، ووافيا بمقتضاها، وهو أن يحمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمته، فإذا لا يستغني عن التدبير في الحضور، وعن التدبير في إحضار السجل، ولو ترك شيئا من ذلك كان نقصا في توكله، فكيف يكون فعله نقصا فيه؟ نعم بعد أن حضر وفاء بإشارته، وأحضر السجل وفاء بسنته وعادته، وقعد ناظرا إلى محاجته فقد ينتهي إلى المقام الثاني والثالث في حضوره، حتى يبقى كالمبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله وقوته؛ إذ لم يبق له حول ولا قوة، وقد كان فزعه إلى حوله وقوته في الحضور وإحضار السجل بإشارة الوكيل وسنته، وقد انتهى نهايته فلم يبق إلا طمأنينة النفس والثقة بالوكيل، والانتظار لما يجري، وإذا تأملت هذا اندفع عنك كل إشكال) يرد عليك (في التوكل، وفهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل، وإن كان كل تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكل، بل هو على الانقسام، وسيأتي تفصيله في الأعمال) قريبا، (فإذا فزع المتوكل [ ص: 466 ] إلى حوله وقوته في الحضور والإحضار لا يناقض التوكل؛ لأنه يعلم أنه لولا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا ولعبا) .

وفي نسخة: تعبا (محضا بلا جدوى) ، أي: فائدة، (فإذا لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله وقوته، بل من حيث إن الوكيل جعله معتدا لحاجته، وعرفه ذلك بإشارته وسنته، فإذا لا حول ولا قوة إلا بالوكيل، إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها في حق الوكيل) في الخصومة؛ (لأنه ليس خالقا حوله وقوته، بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما، ولم يكونا مفيدين لولا فعله، وإنما يصدق ذلك في حق الوكيل الحق، وهو الله تعالى؛ إذ هو خالق الحول والقوة، كما سبق في التوحيد، وهو الذي جعلهما مفيدين؛ إذ جعلهما شرطا لما سيلحقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد) قال المصنف في المقصد الأسنى: الوكيل هو الموكول إليه الأمور، ولكن الموكول إليه ينقسم إلى من يوكل إليه بعض الأمور، وذلك ناقص وإلى من يوكل إليه الكل وليس ذلك إلا الله، والموكول إليه ينقسم إلى من يستحق أن يكون موكولا إليه لا بذاته ولكن بالتوكيل والتفويض، وهو ناقص؛ لأنه فقير إلى التفويض والتولية، وإلى من يستحق لذاته أن تكون الأمور موكولة إليه والقلوب متوكلة عليه، لا بتولية ولا تفويض من جهة غيره، وذلك هو الوكيل المطلق .

والوكيل أيضا ينقسم إلى من يفي بما وكل إليه وفاء تاما من غير قصور، وإلى من لا يفي بالجميع، والوكيل المطلق: هو الذي الأمور موكولة إليه، وهو ملي بالقيام بها وفي بإتمامها، وذلك هو الله تعالى فقط .

(فإذا لا حول ولا قوة إلا بالله حقا صدقا، فمن شاهد هذا كذلك كان له الثواب العظيم الذي وردت به الأخبار فيمن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) منها ما رواه الحاكم من حديث أبي هريرة: "من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرهما الهم"، ورواه ابن أبي الدنيا في الفرج، وابن النجار نحوه، وروى الطبراني، وابن عساكر من رواية بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رفعه: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة، من قالها أذهب الله عنه سبعين بابا من الشر، أدناها الهم".

وعند البيهقي من حديث أبي هريرة: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا ملجأ من الله إلا إليه"، وفي رواية له: "ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم".

ورواه الحاكم كذلك، ورواه مسلم بلفظ: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله"، وقد رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، وقد روي من حديث قيس بن سعد بن عبادة بلفظ: "ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله".

رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وابن سعد، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، ورواه أحمد أيضا من حديث معاذ مثله، وروى عبد بن حميد، والطبراني من حديث زيد بن ثابت: "ألا أدلكم على كنز من كنوز الجنة؛ تكثرون من لا حول ولا قوة إلا بالله".

وروى الطبراني من حديث أبي أيوب: "ألا أعلمك يا أبا أيوب كلمة من كنز الجنة؛ أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله".

في أخبار أخر، تقدم ذكرها في كتاب الدعوات، (وذلك قد يستبعد فيقال: كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة مع سهولتها على اللسان، وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها، وهيهات فإن ذلك جزاء) مرتب (على هذه المشاهدة التي ذكرناها في التوحيد، ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة: لا إله إلا الله كنسبة معنى أحدهما إلى الآخر؛ إذ في هذه الكلمة إضافة شيئين إلى الله تعالى فقط، وهما الحول والقوة) ، ونفيهما عن غيره تعالى .




الخدمات العلمية