الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل فهذا ما يتعلق بحال التوكل والله الموفق برحمته ولطفه .

.

التالي السابق


(وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطيل به فإن الكشف) عن الحقائق (أنفع من الرواية والنقل) المجرد (فهذا ما يتعلق بحال التوكل) ، ولا بأس من أن نورد ما قاله الشيوخ، ولا سيما في بعض ما قالوه لحقيقة التوكل، وفي بعضه إشارة إلى أعلى مقاماته، ومعرفة ذلك مهمة، فنقول: قال صاحب القوت: قال بعض العارفين لما سئل عن حقيقة التوكل: هو الفرار من التوكل، أي يتوكل ولا ينظر إلى توكله أنه لأجله يكفى، أو يعافى، أو يوفى، فجعل نظره إلى توكله علة في توكله، يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل، ويقوم له بشهادة منه بلا ملل، ولا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه، أو يعول عليه، أو يدل به حتى التوكيل أيضا الذي هو طريقه، وقد عبرت طائفة من أهل المعرفة عن هذا المعنى بعبارات، فقال أبو تراب النخشبي: التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية، وقال: الزقاق: التوكل رد العيش إلى يوم واحد [ ص: 472 ] وإسقاط هم غد، وقال غيره: التوكل هو الخمود تحت الموارد، وكان بعض أشياخنا إذا سئل عن التوكل أجاب عنه بعين الحقيقة فيقول: هو أن تكون مع الحق، كما لم تكن، فإن الحق الآن كما لم يزل، وقال: الجريري: التوكل معاينة الاضطرار، أي يكون بضاعته عند مولاه الإفلاس، وحاله في الأعمال الإياس، وقال سهل: التوكل هو التبري من الحول والقوة وقال غيره: هو عدم الاهتمام بما قد كفي، كما لا يهتم الصحيح بالدواء إذا عوفي، وكان الحسن يقول: التوكل هو الرضا، وهو إشارة إلى أعظم ثمراته، وقيل: هو تسليم الأقدار كلها للقادر، واعتقاد أن جميعها قضاؤه وقدره، وهو إشارة إلى القدر المفروض منه، وقال ابن عطاء: ليس التوكل لزوم الكسب ولا تركه، إنما التوكل طمأنينة في القلب إلى النار، وكذلك قال أبو عبد الله القرشي في التوكل: إنما هو اطمئنان إلى الله سرا وجهرا، ورضى به كفيلا، ونحوه قال رويم: إنما التوكل الثقة بالله في كل ما ضمن في حال .

وقال أبو موسى الدبيلي: هو أن يستوي عندك البادية وباب الطاق وقال غيره: التوكل استيلاء الوجد على إشارة وحذف التشرف إلى الإرفاق يعني يغلب وجده إشارته بقول أو همة، فيشغله عن التفرغ إلى غيره، وقيل: التوكل: هو الكف عن الأغيار في السر والعلانية والسكون إلى الخلق بلا واسطة، وقال سهل: التوكل هو التقوى، واحتج بقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته فإن المعنى: اعبدوه بالتوكل، وقال مرة: هو إظهار الفقر والفاقة إليه، ووافقه في ذلك أبو بكر محمد بن موسى الواسطي، فقال: التوكل هو قصد الفاقة والافتقار، وقال النهرجوري: التوكل نسيان حظوظ النفوس، وقال الخواص: التوكل الاكتفاء بعلم الله فيك من تعلق القلب بسواه، وقال يحيى بن معاذ من حقيقة التوكل ترك العبد محابه لمحاب الله، واختياره لاختيار الله، وتدبيره لتدبير الله بالغناء عن نفسه، وبالنظر إلى مجاري الأحكام والقدر، وهذا إشارة إلى المقام الثالث .

وقال أيضا: التوكل على الله ثلاث درجات: ترك الشكاية والرضا والمحبة، فترك الشكاية أن لا يشكو ربه، والرضا أن يرضى بما قسم له، والمحبة أن تكون محبته في قضاء الله تعالى، فأولها للصالحين، والثانية للأولياء، والثالثة للأبدال، وهذا إشارة إلى درجات البداية .

وأما توكل النبيين والصديقين فهو أن لا يركن القلب إلى سبب ولا مخلوق، ولا ينظر إلى ما دون الله نظرة، وهو من عزائم التوكل، قال: وأخبرني بعض الأشياخ، عن أبي علي الروذباري أنه قال: التوكل على ثلاث درجات: الأولى منها: إذا أعطي شكر وإذا منع صبر، والثانية: المنع والعطاء عنده واحد، والثالثة: المنع مع الشكر أحب إليه من اختياره، وقال غيره: التوكل على ثلاث درجات أولاها الصبر عند البلاء، وأوسطها الشكر عند شهود البلاء، وآخرها الرضا بمجاري الأقدار والأحكام، هذا ما انتقيته من كتاب قوت القلوب مع الاختصار .

وقد ذكر القشيري في الرسالة: بعض ما هو في القوت فلنذكر ما لم يذكره صاحب القوت، قال حمدون: التوكل هو الاعتصام بالله، وقد أشار بذلك إلى عموم التوكل في المقامات الثلاث .

وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا، وسئل ابن عطاء عن حقيقة التوكل؟ فقال: أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها، وذكر القشيري قول أبي تراب النخشبي السابق إلا أنه زاد بعد قوله: بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر وإن منع صبر، وقال ذو النون: التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع عن الحول والقوة، وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه .

وقال سهل: التوكل الاسترسال مع الله على ما يريد، وهذا إشارة إلى مقام التسليم، وفيه ترك الاختيار، وقال غيره: التوكل أن يستوي عندك الإكثار والتقلل، وهذا إشارة إلى مقامات التوكل .

وقال ابن مسروق: التوكل الاستسلام لجريان القضاء والأحكام، وهذا إشارة إلى مقام التفويض، وفيه ترك الاختيار، وهو المقام الثالث، وقال أبو عثمان الحيري: التوكل الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه، وهذا إشارة إلى المقام الثاني، وسئل الزقاق عن التوكل، فقال: هو الأكل بلا طمع، وهذا إشارة إلى إحدى أماراته .

وقيل: التوكل نفي الشكوك والتفويض إلى ملك الملوك، أراد بنفي الشكوك قوة اليقين، وأطلق التوكل على التفويض وهو أعلى منه؛ لأنه من ثمراته كما أن اليقين من أصوله ففيه إشارة إلى الأصل والثمرة، وقيل: التوكل الثقة بما في يدي الله تعالى، واليأس عما في أيدي الناس، وهذا إشارة إلى سبب التوكل الذي هو الاعتماد على الله لا على نفسه، وقيل: التوكل فراغ السر عن التفكر [ ص: 473 ] في التقاضي في طلب الرزق، وهذا إشارة إلى ثمرة من ثمرات التوكل لا نفسه، فإن من توكل على الله، ولم يلتفت إلى غيره من الأسباب استراح قلبه من هم الاكتساب وإن أمر بالاكتساب .



* (تنبيه) *

تقدم أن المتوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن التسليم والتفويض، وهل التفويض أعلى مقاما أو التسليم؟ فمنهم من قال: التفويض أعلى، ومنهم من قال: التسليم أعلى، وعلى كل حال فالواجب على العبد لجهله أن يستخير الرب تعالى لعلمه وكمال قدرته، فما للعبد العاجز الجاهل إلا الذل والإذعان وترك الاختيار؛ إذ لو فرضنا أن الله تعالى صب على عباده بلاء عريا عن المصلحة لكان يجب على العبد التسليم والإذعان؛ لأنه أحكم الحاكمين، فقد قال صاحب القوت: اعلم أن العلماء بالله لم يتكلموا عليه؛ لأجل أن يحفظ لهم دنياهم، ولا لأجل تبليغهم رضاهم ومرادهم، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون، ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون، ولا ليحول عنهم ما مضى من سنته التي قد خلت في عباده من الابتلاء والامتحان والاختبار إلى ما يعملون هو أجل في قلوبهم من ذلك، وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا، لو اعتقد عارف بالله تعالى أحد هذه المعاني مع الله في توكله لكان كبيرة توجب عليه التوبة، وكان توكله معصية، وكان ما فات عليه من حقيقة التوحيد أشد عليه مما أدرك من توهم التوكل، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت، وطالبوا قلوبهم بالرضا عنه بأي معنى جرى. اهـ .

فإن قال قائل: إن كانت الإرادة قد خصصت الأشياء ووضعها في مراتبها، والقدرة توجب ذلك بالضرورة في الوقت المقدر؛ إذ من المحال أن تخصص الإرادة شيئا، ولا توجده القدرة على وفاق التخصيص فما فائدة التوكل؟ وقد قال الله تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه فالجواب عن هذا كالجواب في مسألة الدعاء، فكما أن الدعاء عبادة في نفسه، فكذلك التوكل عبادة تعبدنا لله تعالى بها، وهو والدعاء من جملة الأسباب التي رتب عليها مسبباتها؛ ولذلك قال الله تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم .

ومعلوم أن الله تعالى مولى المؤمنين والكافرين إلا أن للمؤمنين ولاية خاصة سوى الولاية العامة بسبب توكلهم على مولاهم، وكما أن الدعاء إذا وافق المشيئة حصل المدعو به بعينه، وإن لم يوافق المشيئة عوض عن المدعو المطلوب أضعافا، فكذلك المتوكل يتوكل على الله في جميع أموره، والرب تعالى يجري عليه أحكامه التي سبقت بها مشيئته، فإن وافقت غرض المتوكل فهو الزبد بالشهد، وإن خالفت غرضه عوضه الله تعالى على توكله أضعاف ذلك، ومن هنا قالوا: إن التسليم أفضل درجات التوكل لابتنائه على أعز أنواع العلم والحكمة، وهو الذي يشير إليه في سياق المصنف فيما مضى، كما نبهنا عليه آنفا، والله أعلم .




الخدمات العلمية