الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال بعض العارفين : أهل الصبر على ثلاثة مقامات ، أولها ترك الشهوة ، وهذه درجة التائبين وثانيها ، الرضا بالمقدور ، وهذه درجة الزاهدين وثالثها ، المحبة لما يصنع به مولاه ، وهذه درجة الصديقين .

وسنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من الرضا ، كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر وكأن هذا الانقسام يجري في صبر خاص وهو الصبر على المصائب والبلايا .

واعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ، ونفل ، ومكروه ، ومحرم ، فالصبر عن المحظورات فرض ، وعلى المكاره نفل ، والصبر على الأذى المحظور محظور ، كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكتا ، وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن إظهاره الغيرة ، ويسكت على ما يجري على أهله ، فهذا الصبر محرم ، والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن الشرع محك الصبر فكون الصبر نصف الإيمان لا ، ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة .

التالي السابق


(وقال بعض العارفين: أهل الصبر على ثلاث مقامات، أولها ترك الشكوى، وهذه درجة التائبين، والثانية الرضا بالمقدور، وهذه درجة الزاهدين، والثالثة المحبة لما يصنع به مولاه، وهذه درجة الصديقين) . وهذه المراتب كما نراها على طريق الترقي، فالتحقق بالصبر يفتح باب الوصول إلى التلذذ بالبلوى، وهذه حالة التائبين، ثم إلى مقام الرضا ثم إلى مقام المحبة، (وسنبين في كتاب المحبة) إن شاء الله تعالى (أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا، كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر) .

اعلم أن متعلقات الرضا والصبر والشكر والمحبة متحدة لا اختلاف فيها، فإذا اتحدت أعمال المقامات فلا يصح التفاضل فيها إلا بأسبابها وأحوالها التي هي أحداث على الأعمال، فانظر فليس الخبر كالعيان، فإن السالك لا يدعى باسم عمله إنما يدعى باسم حاله، فتقول: هذا حاله الصبر، وهذا حاله الرضا، وهذا حاله الشكر، وهذا حاله المحبة، لأن حال الصبر تصدر عنه الطاعة بعد ألم، ومدافعة العدو الداعي إلى المعصية، وبعد مشقة ومقاساة، وحال الرضا تصدر عنه الطاعة باستسلام وانقياد وإذعان بلا منازع، وحال الشكر تصدر عنه الطاعة بفرح وسرور [ ص: 20 ] واهتمام، وحال المحبة تصدر عنه الطاعة بحلاوة وطلاوة ونشاط، ولو بذل روحه ما أحس بالملل، ولهذا الكلام بقية يأتي ذكرها بعد .

(وكان هذا الانقسام يجري في صبر خاص وهو الصبر على المصائب والبلايا) لا في صبر عام شامل لجميع أفراده، فقد روي عن الحسن وغيره: الصبر على ثلاثة معان: صبر عن المعصية، وهو أفضلها، وصبر على الطاعة، وصبر على المصائب. وقد روي ذلك من حديث ابن عباس : الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. الحديث، فهذه التقاسيم باعتبار متعلق الصبر .

(واعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض، ونفل، ومكروه، ومحرم، فالصبر عن المحظورات فرض، وعلى المكاره نفل، والصبر على الأذى المحظور محظور، كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكنا، وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن إظهار الغيرة، ويسكت على ما يجري على أهله، فهذا الصبر محرم، والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع) وهذا يدلك أن الصبر لا يراد لذاته، ولفظ القوت: الصبر فرض، ونفل، يعرف ذلك بمعرفة الأحكام، فما كان أمرا وإيجابا فالصبر عليه أو عنه فرض، وما كان حثا وندبا فالصبر عليه أو عنه ندب وفضل .

(فليكن الشرع محك الصبر) ، فما كان المصبور عليه أو عنه من المأمورات فهو فرض أو من المندوبات فهو فضل، (فيكون الصبر نصف الإيمان، ولا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود بل المراد منه) أي: من الصبر المحمود (أنواع من الصبر مخصوصة) وقال القطب الجيلاني، قدس سره، في "فتوح الغيب": لابد للعبد من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقد يصبر عليه، وذلك متعلق بطرفين، طرف من جهة الرب، وطرف من جهة العبد، فالأول هو أن له سبحانه على عبده حكمين: كوني قدري، وشرعي ديني، فالكوني متعلق بخلقه، والشرعي بأمره، فالأول يتوقف حصول الثواب فيه على الصبر، والثاني لا يتم إلا به، فرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاثة، الصبر على المقدور، وترك المحظور، وفعل المأمور، وأما الطرف الثاني فإن العبد لا ينفك عن هذه الثلاثة أيضا، ولا يسقط عنه ما بقي التكليف، فقيام عبودية القدر على ساق الصبر ولا يستوي إلا عليه كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها، وهذه الثلاثة قد وقعت الإشارة عليها بآية: أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك في الطاعات وغيرها (وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال) .




الخدمات العلمية