الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
السبب الخامس أن يكون العبد قد سبق له ذنوب ، وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرافيترك التداوي خوفا من أن يسرع زوال المرض ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض كالبردة ما عليه ذنب ولا خطيئة .

وفي الخبر : حمى يوم كفارة سنة فقيل : لأنها تهد قوة سنة وقيل للإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا فتدخل الحمى جميعها ويجد من كل واحد ألما فيكون كل ألم كفارة يوم ولما ذكر صلى الله عليه وسلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد بن ثابت ربه : عز وجل : أن لا يزال محموما فلم تكن الحمى تفارقه حتى مات رحمه الله وسأل ذلك طائفة من الأنصار فكانت الحمى لا تزايلهم ولما قال صلى الله عليه وسلم : من أذهب الله كريمتيه لم يرض له ثوابا دون الجنة : فلقد كان من الأنصار من يتمنى العمى .

وقال عيسى عليه السلام : لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه وروي أن موسى عليه السلام : نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال : يا رب ارحمه فقال تعالى كيف أرحمه فيما به أرحمه أي : به أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته .

التالي السابق


(السبب الخامس أن يكون العبد قد سبق له ذنوب، وهو خائف منها) و (عاجز عن تكفيرها) وإماطتها (فيرى [ ص: 526 ] المرض إذا طال تكفيرا فيترك التداوي خوفا من أن يسرع زوال المرض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تزال الحمى والمليلة) قيل: هي حرارة الحمى ووهجتها، وقيل: هي الحمى التي تكون في العظام (في العبد حتى يمشي على الأرض كالبردة وما عليه خطيئة) . .

قال العراقي: رواه أبو يعلى وابن عدي من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه، وقال: الصداع بدل الحمى وللطبراني في الأوسط من حديث أنس: مثل المريض إذا صح وبرأ من مرضه كمثل البردة تقع من السماء تقع في صفائها ولونها . وأسانيده ضعيفة اهـ . قلت: وحديث أخرجه كذلك الحكيم والبزار والديلمي وابن عساكر، وروى الشيرازي في الألقاب، والبيهقي من حديث أبي هريرة: لا يزال المؤمن يصاب في ولده وخاصته حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، ورواه أحمد وهناد وابن حبان، وأبو نعيم والحاكم، والبيهقي بلفظ: لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة . (وفي الخبر: حمى يوم كفارة سنة) .

قال العراقي: رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث ابن مسعود بسند ضعيف وقال: ليلة بدل يوم اهـ . قلت: رواه من طريق الحسن بن صالح عن الحسن بن عمر، وعن إبراهيم النخعي عن الأسود عن ابن مسعود رفعه ولفظه: الحمى حظ كل مؤمن من النار، وحمى ليلة تكفر خطايا سنة مجرمة، وكذلك رواه الديلمي في مسند الفردوس وأعله ابن طاهر بالحسن بن صالح وقال: تركه يحيى القطان وابن مهدي، وله شاهد عن أبي الدرداء موقوفا بلفظ: حمى ليلة كفارة سنة . رواه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات له من طريق عبد الملك بن عمير عنه به، وأما لفظ المصنف فرواه تمام في فوائده من طريق أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة رفعه: حمى يوم كفارة سنة، ولكن بزيادة وحمى يومين كفارة سنتين، وحمى ثلاثة أيام كفارة ثلاث سنين . وروى ابن أبي الدنيا من طريق حوشب عن الحسن مرسلا مرفوعا: إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة . وقال ابن المبارك عقب رواية له: إنه من جيد الحديث، ومن طريق هشام عن الحسن قال: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة لما مضى من الذنوب، وشواهده كثيرة يؤكد بعضها بعضا، وسنة مجرمة بالجيم كمعظمة، أي: تامة، كذا فسره الديلمي، وقال صاحب القوت: ومن الفضائل أن الأمراض مكفرة للسيئات، فإذا كره الأمراض بقيت ذنوبه عليه موفرة، ثم ساق الخبر المذكور، (فقيل: لأنها تهد قوة سنة) .

قال صاحب القوت: هذا أحسن ما سمعت في تأويله اهـ . فقد قال بعض الأطباء: من حم يوما لم تعاوده قوة سنة، فجعلت مثوبته على قدر رزيته، (وقيل) ; لأن (للإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا فتدخل الحمى في جميعها) ، أي: حمى يوم في جميع المفاصل (وتجد من كل واحد ألما فيكون كل ألم كفارة كل يوم) نقله صاحب القوت، وكذا كان أبو هريرة يقول: أحب الأوجاع إلي الحمى; لأنها تعطي كل مفصل حقه من الأجر بسبب عموم الوجع . ووجه ثالث وهو أن الحمى تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلا إلى سنة، وقد أفاد هذا الخبر أنالمرض صالح لتكفير الذنوب فيكفر الله به ما يشاء منها، وتكون كثرة التفكير وقلته باعتبار مدة المرض وخفته، (ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد بن ثابت) -رضي الله عنه- (ربه -عز وجل- أن لا يزال محموما فلم تكن الحمى تفارقه حتى مات رحمه الله) نقله صاحب القوت قال: ويقال أيضا أبي بن كعب (وسأل ذلك طائفة من الأنصار فكانت الحمى لا تزايلهم) كذا في القوت .

وقال العراقي: روى أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد جيد أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: كفارات، قال أبي: فإن قلت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها؟ قال: فدعا أبي أن لا يفارقه الوعك حتى يموت . . الحديث . وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله ما خير الحمى؟ قال: تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم، أو ضرب عليه عرق، فقال: إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك ولا مسجد نبيك . . الحديث . فالإسناد مجهول، قاله علي بن المديني (ولما قال صلى الله عليه وسلم: من أذهب الله كريمتيه) فصبر (لم يرض له ثوابا دون الجنة) رواه هناد والترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ: يقول الله تعالى: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة، ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أنس . قال الله تبارك وتعالى: لا أقبض كريمتي عبدي وحبيبتيه فيصبر [ ص: 527 ] لحكمي ويرضى بقضائي، فأرضى له ثوابا دون الجنة . ورواه أبو يعلى بلفظ: إذا أخذت كريمتي عبد لم أرض له ثوابا دون الجنة . وفي الباب عن جماعة من الصحابة قد سبق في كتاب الصبر، (قال: فلقد كان في الأنصار من يتمنى العمى) ، ولفظ القوت قال: فلقد رأيت الأنصار يتمنون العمى قال: ولما جاءت الحمى تستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اذهبي إلى أهل قباء . وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى: يحبون أن يتطهروا ، أي من الآثام والذنوب بالحمى والأمراض، فلو لم يكن في ذلك إلا محبة الله وشهادته بطهارة العبد بالعلة لكان نصيبا موفورا، قال: فأسقمتهم الحمى وأنهكتهم، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه كفها، قال: إن أحببتم تركها، وكانت لكم طهورا، فقالوا: بل نتركها، فشكر الله صبرهم فأخبر بمحبته لهم، فكان من هذا أن تلك الأمراض اختيار الله وإيثار محبته، وأنها أفضل بحسن ثناء الله عليهم باختيارهم .

(وقال عيسى -عليه السلام-: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه) ، نقله صاحب القوت قال: فالصديقون يبتلون بعلل الجوارح، والمنافقون بأمراض القلوب; لأن في أمراض الأجسام ضعفها عن الآثام والطغيان، وفي أمراض القلوب ضعفها عن أعمال الآخرة والإيقان، (وروي أن موسى -عليه السلام- نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: يا رب ارحمه) فإني قد رحمته، (فقال تعالى) وحيا إليه: (كيف أرحمه فيما به أرحمه) ؟ نقله صاحب القوت (أي: به أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته) وقال الله تعالى في تصديق ذلك: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا ، الآية، فأخبر أن في ترك الرحمة لهم من الأمراض لطفا بهم ورحمة بالمنة لهم . قال صاحب القوت: وروينا أن عبد الواحد بن زيد خرج في نفر من إخوانه إلى بعض نواحي البصرة فأواهم المسير إلى كهف جبل، فإذا فيه عبد مقطع بالجذام، يسيل جسده قيحا وصديدا، وقالوا: يا هذا لو دخلتالبصرة فتعالجت من هذا الداء الذي بك؟ فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا سيدي سلطت علي هؤلاء يسخطون عليك ويكرهون إلي قضاءك، سيدي أستغفرك من ذلك الذنب، لك العقبى أن أعود فيه أبدا، اصرفهم عني ارددهم عني، قال: وكنا جماعة فما ملكنا رؤوس دوابنا، ولا قدرنا على ضبطها حتى ردتنا عنه إلى البصرة .




الخدمات العلمية