الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعلى كل جفن شعور سود ، ونعمة الله تعالى في سوادها : أنها تجمع ضوء العين ؛ إذ البياض يفرق الضوء ، والسواد يجمعه ونعمة الله تعالى في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من الدبيب إلى باطن العين ، ومتشبثا للأقذاء التي تتناثر في الهواء وله في كل شعرة منها نعمتان من حيث لين أصلها ، ومع اللين قوام نصبها وله في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكل وهو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين ، ولو طبق لم يبصر ، فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب فينظر من وراء شباك الشعر فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج ، وغير مانع من امتداد البصر من داخل ، ثم إن أصاب الحدقة غبار فقد خلق أطراف الأجفان حادة منطبقة على الحدقة كالمصقلة للمرآة فيطبقها مرة أو مرتين ، وقد انصقلت الحدقة من الغبار وخرجت الأقذاء إلى زوايا العين والأجفان والذباب لما لم يكن لحدقته جفن خلق له يدين فتراه على الدوام يمسح بهما حدقتيه ليصقلهما من الغبار وإذ تركنا الاستقصاء لتفاصيل النعم لافتقاره إلى تطويل يزيد على أصل هذا الكتاب ، ولعلنا نستأنف له كتابا مقصودا فيه إن أمهل الزمان ، وساعد التوفيق ، نسميه عجائب صنع الله تعالى فلنرجع إلى غرضنا فنقول : من نظر إلى غير محرم فقد كفر بفتح العين نعمة الله تعالى في الأجفان ، ولا تقوم الأجفان إلا بعين ، ولا العين إلا برأس ، ولا الرأس إلا بجميع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا ، بالسموات ولا السموات إلا بالملائكة ، فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض ، فإذا قد كفر كل نعمة في الوجود من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى فلم يبق فلك ولا ملك ولا حيوان ولا نبات ولا جماد إلا ويلعنه ؛ ولذا ورد في الأخبار أن البقعة التي يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم وكذلك ورد أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر وأن الملائكة يلعنون العصاة في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصاؤها . وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة جنى على جميع ما في الملك والملكوت وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها فيتبدل اللعن بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام : يا أيوب ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان ، فإذا شكرني على ، نعمائي ، قال الملكان : اللهم زده نعما على نعم ، فإنك أهل الحمد والشكر ، فكن من الشاكرين قريبا فكفى بالشاكرين علو رتبة وعندي أني أشكر شكرهم ، وملائكتي يدعون لهم ، والبقاع تحبهم ، والآثار تبكي عليهم

.

التالي السابق


(وعلى كل جفن شعور سود، ونعمة الله في سوادها أنه) أي: الشعر الأسود (يجمع ضوء العين؛ إذ البياض يفرق الضوء، والسواد يجمعه) فلا لون أنسب وأوفق لنور الباصرة من السواد. (ونعمة الله في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من الدبيب إلى باطن العين، ومتشبثا للأقذاء التي تتناثر في الهواء) فتتعلق به ولا تصل إلى الداخل. (وله في كل شعرة منها نعمتان من حيث لين أصلها، ومع اللين قوام نصبها) ، وله في منابت الشعر نعمة أخرى، وهو أن جعل بين كل شعرة فاصلا لئلا يلتزق مع بعضه. (وله في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكل وهو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين، ولو طبق لم يبصر، فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب فينظر من وراء شباك الشعر فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج، وغير مانع من امتداد البصر من داخل، ثم إن أصاب الحدقة غبار فقد خلق أطراف الأجفان حادة منطبقة على الحدقة كالمصقلة للمرآة فيطبقهما مرة أو مرتين، وقد انصقلت الحدقة عن الغبار وخرجت الأقذاء إلى زوايا العين والأجفان) وبقيت الحدقة صافية (والذباب لما لم يكن لحدقتيه جفن خلق له يدين) زائدتين (فتراه على الدوام يمسح بهما حدقتيه ليصقلهما عن الغبار) وهذا أحسن الوجوه، وقيل: إنما يفعل ذلك لكونه لم يقع على جسد النبي صلى الله عليه وسلم فهو أبدا يلطم وجهه، وفيه نظر .

(وإذ [ ص: 128 ] تركنا الاستقصاء لتفاصيل النعم لافتقاره إلى تطويل يزيد على أصل هذا الكتاب، ولعلنا نستأنف له كتابا مقصودا فيه إن أمهل الزمان، وساعد التوفيق، نسميه عجائب صنع الله تعالى) وقد حقق الله تعالى مأموله، ويسر له تأليفه، وقد عده ابن السبكي في جملة مؤلفاته، كما تقدم ذلك في مقدمة كتاب العلم. (فلنرجع إلى غرضنا فنقول: من نظر إلى غير محرم قد كفر بفتح العين) في حيث لا يحل (نعمة الله تعالى في الأجفان، ولا تقوم الأجفان إلا بعين، ولا العين إلا برأس، ولا الرأس إلا بجميع البدن، ولا البدن إلا بالغذاء، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالسماوات، ولا السماوات إلا بالملائكة، فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض، فإذا قد كفر كل نعمة لله في الوجود من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى فلم يبق فلك ولا ملك ولا حيوان ولا نبات ولا جماد إلا ويلعنه بكفران النعمة؛ ولذلك ورد في الأخبار أن البقعة التي يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم) .

قال العراقي: لم أجد له أصلا .

(وكذلك ورد أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر) تقدم في كتاب العلم (وأن الملائكة يلعنون العصاة) .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي هريرة: إن الملائكة لتلعن أحدكم إذا أشار إلى أخيه بحديدة، وإن كان أخاه لأبيه وأمه، اهـ. قلت: وكذلك رواه أحمد وأبو نعيم في الحلية (في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصاؤها. وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي ولو بتطريفة واحدة جنى على جميع ما في الملك والملكوت وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها) كما ورد ذلك في حديث أبي ذر: وأتبع السيئة الحسنة تمحها (فيستبدل اللعن بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه) بفضله وكرمه .

وورد في بعض الأخبار (أوحى الله إلى أيوب عليه السلام: يا أيوب ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان، فإذا شكرني على نعمائي، قال الملكان: اللهم زده نعما على نعم، فإنك أهل الحمد والشكر، فكن من الشاكرين قريبا) وزدهم شكرا وزدهم من النعماء (فكفى بالشاكرين) يا أيوب (علو رتبة عندي أني أشكر شكرهم، وملائكتي يدعون لهم، والبقاع تحبهم، والآبار تبكي عليهم) فكن لي يا أيوب شاكرا، ولآلائي ذاكرا، ولا تذكرني حتى أذكرك، ولا تشكر لي حتى أشكر أعمالك، أنا أوفق أوليائي لصالح الأعمال، وأشكرهم على وفقتهم، واقتفيتهم الشكر، ورضيت به مكافأة، فرضيت بالقليل عن الكثير، وتقبلت القليل وجازيت عليه بالجزيل، وشر العبيد عندي من لم يشكرني إلا وقت حاجته، ولم يتفرغ بين يدي إلا في وقت عقوبته. كذا أورده بكماله صاحب القوت .




الخدمات العلمية