الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
بيان أعمال المتوكلين .

اعلم أن العلم يورث الحال ، والحال يثمر الأعمال وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن ، وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة ، وكاللحم على الوضم ، وهذا ظن الجهال ، فإن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل نكشف الغطاء عنه ونقول : إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده وسعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو ، مفقود عنده كالكسب ، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار ، أو لدفع ضار لم ينزل به ، كدفع الصائل والسارق والسباع ، أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض ، فمقصود حركات العبد لا تعدو : هذه الفنون الأربعة ، وهو جلب النافع ، أو حفظه ، أو دفع الضار ، أو قطعه ، فلنذكر شروط التوكل ودرجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع الفن الأول في جلب النافع فنقول فيه : الأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات : مقطوع به ، ومظنون ظنا يوثق به ، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ، ولا تطمئن إليه ، الدرجة الأولى : المقطوع به ، وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ، ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه ، وتقول : أنا متوكل ، وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد إليه سعي وحركة ، وكذلك مضغه بالأسنان ، وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله فهذا جنون محض ، وليس من التوكل في شيء ، فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز ، أو يخلق في الخبز حركة إليك ، أو يسخر ملكا ليمضغه لك ، ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنة الله تعالى وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع ، كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك جنون وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه أليس ، التوكل في هذا المقام بالعمل ، بل بالحال والعلم ، أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة ، وأنه هو الذي يطعمك ويسقيك ، وأما الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام ، وكيف تعتمد على صحة يدك ، وربما تجف في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك ، وربما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ، ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام ، وربما يسلط الله تعالى .

من يغلبك عليه أو يبعث حية تزعجك عن مكانك ، وتفرق بينك وبين طعامك وإذا احتمل أمثال ذلك ، ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فلتفرح ، وعليه فلتعول فإذا كان هذا حاله وعلمه ، فليمد اليد فإنه متوكل .

التالي السابق


(الفصل الثالث في بيان أعمال المتوكلين) *

(اعلم) وفقك الله تعالى (أن العلم يورث الحال، والحال يثمر الأعمال) فالعلم هو الأصل، والعمل ثمرة الحال، والحال يتبع العلوم والاعتقادات، وقد تحزب الناس في ذلك أحزابا بين القائل بخلع الأسباب، وبين القائل بالدخول فيها، وبين المتوسط بطريق الإجمال في الطلب، ولكل فريق وجه مع قصوره عن الإحاطة بمقاصد الشرع في وسائل العبادات من مقاصدها، وقد شرع المصنف في شرح ذلك بذكر ضوابط المقاصد وافتقارها إلى الأسباب، واستغناء بعض المقاصد عن الدخول في الأسباب مع وجه الأفضل في ذلك فقال: (وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، وكاللحم على الوضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين) ومدحهم، كما في غير آية وغير حديث (فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين) وفي نسخة: بمحظوراته، (بل نكشف الغطاء عنه) بالتحقيق في ذلك (ونقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد والسعي بعمله) وفي نسخة: بعمله (إلى مقاصد وسعي العبد باختياره) لا يخلو (إما أن يكون لأجل جلب نافع، وهو مفقود عنه كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار، أو لدفع ضار ينزل به، كدفع الصائل والسارق والسباع، أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض، فمقصود حركات العبد لا يعدو) أي: لا يجاوز (هذه الفنون الأربعة، وهو جلب النافع، أو حفظه، أو دفع الضار، أو قطعه، فلنذكر شروط التوكل ودرجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع) .

[ ص: 474 ] * (الفن الأول) * في جلب النافع (فنقول فيه: الأسباب التي يجلب بها النافع على ثلاث درجات: مقطوع به، ومظنون ظنا يوثق به، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة، ولا تطمئن إليه، الدرجة الأولى: المقطوع به) ، أي: بحصول السبب بعده، (وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته، ارتباطا مطردا لا يختلف) ، ولا ينفك، (كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج) إلى الأكل (ولكنك لست تمد اليد إليه، وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي) والحركة (ومد اليد إليه سعي وحركة، وكذلك مضغه بالأسنان، وابتلاعه) بعد المضغ (بإطباق أعالي الحنك على أسافله) ليتيسر له الابتلاع (فهذا جنون محض، وليس من التوكل في شيء، فإنك إن انتظرت أن يخلق الله فيك شبعا دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك، أو يسخر ملكا ليمضغه لك، ويوصله إلى معدتك) من غير حركة منك (فقد جهلت سنة الله تعالى) في عباده، وكذلك الحال في الشرب بأن يكون الماء بين يديك وأنت عطشان، فلا تتناوله، وتقول: أنا متوكل وتناولي إياه حركة، والحركة تناقض التوكل، فالدخول في هذا واجب، وتركه حرام، فلو ترك هذا اعتمادا على الله بأن يخلق له ريا بغير شرب كان جاهلا عاصيا .

(وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر) وحرث، (أو تلد زوجتك من غير وقاع، كما ولدت مريم عليها السلام) من غير مس بشر (فكل ذلك جنون) وجهل، (وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه، فليس التوكل في هذا المقام بالعمل، بل بالحال والعلم، أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة، وأنه الذي يطعمك ويسقيك،) فلا بد من اعتقادك ذلك، (وأما الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتماده على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام، وكيف تعتمد على صحة يدك، وربما تجف في الحال وتفلج) فلا تتحرك (وكيف تعول على قدرتك، وربما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك، ويبطل قوة حركتك) ، فتكون كالمبهوت، لا تدري كيف تفعل (وكيف تعول على حضور الطعام، وربما يسلط الله تعالى من يغلبك عليه) فيحول بينك وبينه، (أو يبعث حية تزعجك من مكانك، وتفرق بينك وبين طعامك) ، وقد وقع أمثال ذلك كثيرا .

(وإذا احتمل أمثال ذلك، ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فليفرح،) أشار بذلك إلى قوله تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، (وعليه فيعول) ويعتمد، (فإذا كان) السالك (هذا علمه وحاله، فليمد اليد فإنه متوكل) وإلا فليس من التوكل في شيء، ومن هذه الدرجة لو قعد في مجرى سيل، أو في طريق سبع، أو تحت جدار مائل تقارب انقضاضه، فلا يصح توكله في شيء من ذلك، ولو مات مات عاصيا .




الخدمات العلمية