الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها : أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم : كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة .

وقال الجنيد علامة المحب دوام النشاط والدؤوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه وقال بعضهم : العمل على المحبة لا يدخله الفتور .

وقال بعض العلماء والله : ما اشتفى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل .

فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات ؛ فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه ، وإن كان شاقا على بدنه ، ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشغل به ، فهكذا يكون حب الله تعالى ، فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ما هو دونه ، فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته ، وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه .

وقيل لبعض المحبين ، وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء ما كان سبب حالك هذه في المحبة ؟ فقال : سمعت يوما محبا ، وقد خلا بمحبوبه ، وهو يقول : أنا والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأيش تنفق علي ؟! قال : يا سيدي أملكك ما أملك ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك ، فقلت : هذا خلق لخلق وعبد لعبد ، فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه .

التالي السابق


(ومنها) أي: ومن علامات المحبة (أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها) لأن عمل المحبة لا يداخلها سآمة ولا ملالة، وهذا حد الأسباب المشرفة للمحبين (كما قال بعضهم: كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة) وهو قول ثابت البناني، وقال مرة: كابدت القرآن، وقد سبق في كتاب ترتيب الأوراد (وقال) أبو القاسم (الجنيد) -قدس سره- (علامة المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة تفتر بدنه ولا يفتر قلبه) كذا في القوت (وقال بعضهم: العمل على المحبة لا يدخله الفتور، وقال بعض العلماء: ما اشتقى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل) كذا في القوت (فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات؛ فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه، وإن كان شاقا على بدنه، ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشتغل به، فهكذا يكون حب الله تعالى، فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ما هو دونه، فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته، وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه، وقيل لبعض المحبين، وقد كان [ ص: 626 ] بذل نفسه وماله حتى) بلغ المجهود (ولم يبق له شيء) منهما (ما سبب حالك في هذه المحبة؟ فقال:) كلمة سمعتها من خلق عملت في هذا البلوغ، قيل: وما هي؟ قال: (سمعت يوما محبا، وقد خلا بمحبوبه، وهو يقول: أنا والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله، فقال له المحبوب: إن كنت تحبني فأيش تنفق علي؟! قال: يا سيدي أملكك ما أملك، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك، فقلت: هذا خلق لخلق وعبد لعبد، فكيف بعبد لمعبود) وخلق لخالق؟! (فكل هذا بسببه) نقله صاحب القوت، وقال: فقد دخلت الأموال في الأنفس ودخلت الأنفس تحت الشراء، وقد باعوه نفوسهم فما دونها لمحبتهم إياه، وقد اشتراها منهم لنفاستها عنده، فعلامة محبته لها اشتراؤها منه، وعلامة شرائها طيها عنهم، فإذا طواها فلم يكن عليهم منها بقية هوى في سواه فقد اشتراه .




الخدمات العلمية