الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يتعلق بالإخلاص

جزء التالي صفحة
السابق

فنقول : هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه بل المراد بها : من لم يرد بذلك إلا الدنيا ، كقوله : " من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا وكان " ذلك هو الأغلب على همه ، وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان ، لا لأن طلب الدنيا حرام ، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام ؛ لما فيه من الرياء ، وتغيير العبادة عن موضعها . وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ، ولم يكن له .

ولا عليه ، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب . ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر ، فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده ، فربما يكون عليه وبالا ؛ ولذلك قال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي : لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط ، ويجوز أن يقال أيضا : منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو .

وبعيد أن يقال : من كانت له داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو وإن لم يكن غنيمة ، وقدر على غزو طائفتين من الكفار إحداهما غنية والأخرى فقيرة فمال إلى جهة الأغنياء ؛ لإعلاء كلمة الله وللغنيمة ثواب ، له على غزوه البتة ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك ، فإن هذا حرج في الدين ، ومدخل لليأس على المسلمين ؛ لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب ، فأما أن يكون في إحباطه فلا نعم ، الإنسان فيه على خطر عظيم ؛ لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله ، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء .

فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص ، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه ، وإن بالغ في الاحتياط ؛ فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين الرد والقبول ، خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها .

وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر ، وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة ولذلك قال سفيان رحمه الله لا أعتد بما ظهر من عملي .

وقال عبد العزيز بن أبي رواد جاورت هذا البيت ستين سنة ، وحججت ستين حجة ، فما دخلت في شيء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبت نفسي ، فوجدت نصيب الشيطان أوفى من نصيب الله ، ليته لا لي ولا علي .

ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه ؛ إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص .

ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا .

وقد حكي أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز وكيف في أعماله فتكلم أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات ، فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة ، ويطالبه بالإخلاص ، فتعذر عليه قضاء الحوائج واستضر الشيخ بذلك ، فسأله عن أمره فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص ، وأنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها فقال أبو سعيد : لا تفعل إذ ؛ الإخلاص لا يقطع المعاملة فواظب على العمل ، واجتهد في تحصيل الإخلاص ، فما قلت لك : اترك العمل ، وإنما قلت لك : أخلص العمل وقد قال الفضيل ترك العمل بسبب الخلق رياء ، وفعله لأجل الخلق شرك .

التالي السابق


وهذه الأخبار والآثار التي ساقها المصنف تصلح أن تكون حجة لما ذهب إليه المحاسبي، واختاره العز بن عبد السلام، وقد أشار المصنف إلى الجواب عنها بقوله: (فنقول: هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه ) أولا (بل المراد بها: من لم يرد بذلك إلا الدنيا، كقوله: "من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا" أو كان ذلك ) أي: قصد الرياء (هو الأغلب على همه، وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان، لا لأن طلب الدنيا حرام، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام؛ لما فيه من الرياء، وتغيير العبادة عن موضعها .

وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي ) أي: يساوي كل منهما الآخر من غير زيادة من أحد الجانبين .

(وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما، ولم يكن له ولا عليه، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب .

ثم الإنسان عند الشركة أبدا في خطر، فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده، فربما يكون عليه وبالا؛ ولذلك قال الله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي: لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط، ويجوز أن يقال: منصب الشهادة ) عزيز (لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو، وبعيد أن يقال: من كانت داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو ولم يكن غنيمة، وقدر على غزو طائفتين من الكفار إحداهما غنية ) أصحاب أموال ومواش وأثاث (والأخرى فقيرة ) لا شيء لهم (فمال إلى جهة الأغنياء؛ لإعلاء كلمة الله وللغنيمة، أنه لا ثواب له على غزوه البتة ) وأنه قد حبط عمله بالمرة .

(ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك، فإن هذا حرج في الدين، ومدخل لليأس على المسلمين؛ لأن أمثال هذه [ ص: 64 ] الشوائب التابعة قد لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور ) والقلة (فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب، فأما أن يكون في إحباطه فلا ) هذا آخر ما يتعلق بالتفصيل الذي ذهب إليه، وهو أمر بين أمرين؛ فإن المحاسبي ومن تبعه اختاروا الأشد والأشق، ومن قال: إنه يثاب مطلقا ولا تأثير فيه للرياء فقد اختار الأخف .

(نعم، الإنسان فيه على خطر عظيم؛ لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله تعالى، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء، فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه، وإن بالغ في الاحتياط؛ فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد ) في كل عمل من أعماله (مترددا بين الرد والقبول، خائفا ) وجلا (أن تكون في عبادته آفة ) ما شعر بها (يكون وبالها أكثر من ثوابها ) ويعتقد بذلك أنه متقرب وهو متباعد، فعسى أن يكون خوفه وإشفاقه كفارة للآفة الداخلة عليه، ويرجو من فضل الله وسعة جوده أن لا يؤاخذه بما خرج عن علمه بعد جده واجتهاده .

(وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر، وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة ) كمن أدرج في رحله ماء، ثم صلى بعد جهده وإمعانه في الطلب، ثم بان له بعد ذلك أنه كان في رحله ماء، فقد قطع الفقهاء بأن لا قضاء عليه في هذه الصورة، وهذا القياس لا يصح إلا في رتبة المعاونة والموافقة، وأما رتبة المشاركة فلا يصح؛ لأن الماء له بدل، والإخلاص لا بدل له، بل يجب في رتبة المشاركة في الرياء المجرد عن الإخلاص التوبة، وقضاء ما يجب قضاؤه من صلاة وزكاة وصوم، وكذلك لا يفارقك الخوف والرجاء لجبران الآفات المنقصة لكمال الإخلاص، إلى أن ينتهي إلى حالة لا يصح فيها الخوف والرجاء، فحينئذ يا سعادة المقربين!

(ولذلك قال سفيان ) الثوري -رحمه الله تعالى-: (لا أعتد بما ظهر من عملي ) نقله صاحب القوت .

(وقال عبد العزيز بن أبي داود ) روى له البخاري تعليقا، والأربعة، مات سنة تسع وخمسين ومائة: (جاورت هذا البيت ستين سنة، وحججت ستين حجة، فما دخلت في شيء من أعمال الله إلا وحاسبت نفسي، فوجدت نصيب الشيطان أوفى من نصيب الله، ليته لا لي ولا علي ) نقله صاحب القوت .

(ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة ) أي: خشية دخولها فيه (فإن ذلك منتهى بغية ) عدوه (الشيطان منه؛ إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا ) وترك العمل في هذه الصورة جهل كما أن ترك العمل عند دخول العلة عليه وهن .

(وقد حكي أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد ) أحمد بن عيسى (الخراز ) رحمه الله تعالى (ويخف ) بين يديه (في أعماله ) وحوائجه، ويخدم أصحابه، ويسارع في قضاء حوائجهم (فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركات، فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة، ويطالبه بالإخلاص، فتعذر عليه قضاء الحوائج ) مما كان يعمله لأبي سعيد وأصحابه من الخفة والمسارعة وتركه (واستضر الشيخ بذلك، فسأله عن أمره ) وقال له: يا بني قد كنت تسعى في حوائج إخوانك، ثم قطعت ذلك، فما السبب؟ (فأخبره ) الفقير (بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص، وأنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها ) أي: خشية أن تكون أعماله مدخولة (فقال ) له (أبو سعيد: لا تفعل؛ إن الإخلاص لا يقطع المعاملة ) ولا ينبغي للعامل أن يترك العمل لأجل الإخلاص فيفوته الإخلاص والعمل .

(فواظب على العمل، واجتهد في تحصيل الإخلاص، فما قلت لك: اترك العمل، وإنما قلت لك: أخلص العمل ) فإن طلبك للإخلاص قد قطعك عمل البر، وقد أضر ذلك بنا، فارجع إلى ما كنت فيه، وأخلص فيه لله تعالى. نقله صاحب القوت .

(وقد قال الفضيل ) بن عياض -رحمه الله تعالى-: (ترك العمل بسبب الخلق رياء، وفعله لأجل الخلق شرك ) نقله القشيري ، وقد تقدم قريبا [ ص: 65 ] بسنده .



ولنختم هذا الباب بذكر ما يتعلق بالإخلاص:

قال القشيري في الرسالة: قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص .

وقال حذيفة المرعشي: الإخلاص أن تستوي أفعال العبيد في الظاهر والباطن .

وقال السري: من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله .

وقال بعضهم: دخلت على سهل بن عبد الله يوم الجمعة قبل الصلاة، فرأيت في البيت حية، فجعلت أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فقال: ادخل لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه، ثم قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة، فأخذ بيدي، فما كان إلا قليل حتى رأيت المسجد، فدخلنا وصلينا الجمعة، ثم خرجنا، فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون، فقال: أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل .

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوسواس والرياء. اهـ .

وقال صاحب القوت: سميت سورة "قل هو الله أحد" سورة الإخلاص؛ لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده، لا يختلط بذكر جنة ولا نار، ولا وعد ولا وعيد، ولا أمر ولا نهي؛ ولذلك قيل: سورة التوحيد؛ إذ لا شريك فيما سواه .

قال: ومن ألهمه الله إخلاص النية، وزاده معرفة الإخلاص، أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته؛ لأنه ينظر بعين اليقين، وإذ ليس ينفعه شيء إلا شيء بينه وبين الله -عز وجل- لا شريك له فيه لسواه، وهذا المعنى هو الذي أخرج طائفة من الأبدال إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم من النظر إليهم، فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال من صلاة الجماعة وغيرها فقد تقرر عندهم أن اجتناب معصية واحدة عندهم أفضل من ذلك .

والجاهل بالله تعالى يعمل من طلب الفضائل، ولا يبالي بيسير الذنوب، وفيها بعد عن الله عز وجل، وليس ذلك طريق المقربين .

وقال بعضهم: إنما أبعد القلب من الله تعالى مظاهرة أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد، يعني بذلك نقص الإخلاص بها؛ لأجل الله تعالى .

قال: وأصح الأعمال وأخلصها ما كان الله تعالى هو الأول في أولها، ومع العامل في أوسطها، وللعبد عنده فيها، والله هو الآخر عند آخرها، ثم لا يظهرها بعد ذلك، ولا يتظاهر بها، ولا يطالع عوضا عنها من الكبير الأكبر، بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه عنها .

قال: ومن المناقص المشبهة للفضائل الملتبسة على الأفاضل الشهرة بضلها، وروغة العموم للدخول فيها، والصبر عليها، وهي منكشفة للعلماء بالله -عز وجل- ما روي أن رجلين تواخيا في الله -عز وجل- بعد رفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء، فترهب أحدهما واسمه سرجس ولزم أخوه الآخر الجماعة والمساجد ومخالطة الناس، وكان أعلم منه بالله -عز وجل- وكان يلقى أخاه سرجس فيقول: يا أخي: إن هذا الأمر الذي دخلت فيه بدعة، وإن عليك فيه رعاية لا تقوم بحقها، وأنه ليس لله فيها رضا، فلو دخلت معي في الجماعة والألفة كان ذلك لله -عز وجل- رضا، وأصبت السنة، وكان المترهب يعرض عنه، ولا يعبأ برأيه، ويقول له: إنك قد ركنت إلى الدنيا، وأنست بالخلق، فلما أعياه قال له: فاجعل فطرك عندي الليلة حتى يتبين لك، ففعل، فقدم إليه فرخين شواهما، وقال له: تعال حتى نجعل هذين الفرخين قاضيين بيننا، فأينا كان على الحق ظهر أمره، قال: وكيف يقضيان بيننا؟ قال: حتى يدعو الله كل واحد منا فمن كانت سيرته وهديه أحب إلى الله تعالى يبعث بدعائه هذين الفرخين حتى يطيرا حيين، قال: نعم، فادع .

فدعا الراهب، فقال: اللهم إن كان هذا الأمر الذي دخلت فيه أريد به رضاك أقرب إلى الحق مما يدعوني إليه أخي هذا، فابعث هذين الفرخين لي، قال: فلم يجب .

فقال الآخر: اللهم إن كان هذا الأمر الذي تمسكت به وخالفت فيه هذا وأصحابه أقرب إلى الحق وأرضاه عندك مما يدعوني إليه أخي من الاعتزال والفرقة للجماعة، فابعث لي هذين الفرخين، قال: فصارا حيين وطارا بإذن الله تعالى، فعلم الآخر أن ذلك ليس فيه لله رضا، فرجع إلى الجماعة والمساجد .

قال: ومن التباس الفضائل العالية ترك العبد حاله في مقامه؛ طلبا للفضيلة ليزداد بها قربة إلى الله، فيتغلب عليه ويهلك ما أدخل على برصيصا العابد في تعليم الاسم الأعظم، وقصته مشهورة، فالعالم عند العلماء في علم خير من الخيرين فسبق إليه قبل فوته، وعلم شر الخيرين، فأعرض عنه؛ لئلا يشغله عن الأخير منهما، وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه، وابتلي به، وعلم شر الشرين، فأمعن في [ ص: 66 ] الهرب منه، وهذا من دقائق العلوم .

وقال منصور: المداراة على العمل حتى يخلص أشد من العمل .

وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم في العمل الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهم، أيتقبل منهم أم لا .

وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل .

وقال البناجي: للعمل أربع خصال، لا يتم إلا بهن، معرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، والإخلاص به، والعمل على السنة، فأي عمل كان قبل هذه الأربع لم ينفع .

وقال عبد الرحمن بن سريج: من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا الله -عز وجل- ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك، أعطاه الله -عز وجل- بالأصل، ووضع عنه الفرع .

ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة، ثم ذكر وبدا له، فجعل آخر ذلك لله -عز وجل- أعطاه الله الفرع، ووضع عنه الأصل، كأنه حسب له ذلك توبة، والتوبة مكفرة، لما سلف .

قال: وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها، وخفي علومها، كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب، ومن ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يجبه، فظن أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له، فلما سلم جاءه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟! فقال: كنت أصلي، فقال: ألم تسمع الله يقول: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم فكان إجابته النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل له؛ لأن صلاته نافلة له وإجابته للرسول فرض عليه .

وقال بعضهم: من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به، فأفضل شيء للعبد معرفته لنفسه، ثم وقوفه على حده، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له، فيبتدئ بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه ما نهي عنه، مبلغ علمه، ووسع وجده، ولا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض؛ لأن الفضل ربح لا يصح إلا بعد رأس المال، ولكل فضل آفة قاطعة، فمن سلم منها حاز فضله، ولكل أمر نفيس مؤنة ثقيلة، فمن تحملها أدرك نفيسها، ومن تعذرت عليه السلامة فهيهات هيهات أن يصل إلى أفضل كرامة، ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علو مقامه .



وقد يلتبس التكلف بالإخلاص، وإظهار العلم بظهور التزين به .

قال الثوري: زين نفسك بالعلم، ولا تزين به، أي: أدبها لله تعالى لتكون زينا في أوليائه، ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه .

وقد يلتبس الاختيار بالاختبار، فالاختيار ما كان عن حاجته، وتطرقت به إلى الله -عز وجل- والاختبار ما زاد في الشهوة، وكان سلما لك إلى الخلق، كإلباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها للنعمة والتكثر من الأسباب. وقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا، وإحكام الفرض لحوز السلامة هو الفضل .

وقد روي: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب، وإن كان صائما فليقل: إني صائم، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل، ولكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه؛ لتفضيل العمال على الأعمال؛ إذ الأعمال موقوفة على العامل، فإنما يعطى الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل؛ لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد، فدل أن المؤمن أفضل من العمل، فقيل له: ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك؛ فهو خير لك من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك؛ لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه، ولم تعتذر إليه عذرا ينائي بقلبه منك وتعرفه، شق ذلك عليه إن كان صادقا في دعائك. انتهى سياق القوت .

قال السيوطي: قال القرطبي في قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لامرئ ما نوى" بعد قوله: "إنما الأعمال بالنيات" تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال.

قال العراقي: فجعله للتأكيد، ولا شك أن التأسيس أولى منه .

وقال الزركشي: قدره العز بن عبد السلام: وإنما يحصل لكل امرئ ثواب العمل الذي نواه .

قال: وبهذا التقدير تكون الجملة الأولى لبيان ما يترتب عليها من الثواب في الدار الآخرة .

وقال الطيبي: فهم من الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثانية أن النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص. فالأول قصر المسند إليه، والثاني عكسه .

وقال العماد الإسنوي في كتابه حياة القلوب: الفرق بين النية والإخلاص هو أن النية تتعلق بفعل العبادة، وأما إخلاص النية في العبادة فيتعلق بإضافة العبادة إلى الله تعالى، ويكفيه [ ص: 67 ] في إخلاص العبادة أن يتقدم عنه أنه مهما فعله من العبادة إنما يفعله لله خالصا، فيجزيه هذا الإخلاص الحكمي من أول العمل إلى آخره .

والأولى أن يأتي في أول كل فعل بنية الإخلاص فيه، كما يأتي بذلك في نية العبادة، مثل الصلاة وتشييع الجنازة، والإخلاص الحكمي والحقيقي مشروط فيه عدم طرو ما يناقضه، كما في نية العبادة .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والدينوري في المجالسة عن عمر -رضي الله عنه- قال: "من خلصت نيته ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس".

وأخرج البيهقي في الشعب، عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي: يا أبا موسى لو جهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل لك، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله تعالى .

وأخرج عن سهل بن عبد الله قال: "اطلبوا من السر النية بالإخلاص، ومن العلانية الفعل بالاقتداء، وغير ذلك مغاليط" .

وقال ابن عطاء الله في كتابه الحكم: لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون وإن إلى ربك المنتهى، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" فافهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إلى ما هاجر إليه" وقل: ما هذا الأمر، إن كنت ذا فهم تفهم، والسلام .

قال شارحه ابن عباد: العمل على طلب الدرجات ونيل الرتب العلية والمقامات نقصان في الحال، وشوب في إخلاص الأعمال، وهو معنى الرحيل من كون إلى كون، وسبب ذلك بقاء اعتبار النفس في أن تحصل لها رتبة، وأن تنال بسعيها موهبة، وهذه كلها من الأكوان، والأكوان كلها متساوية في كونها أغيارا، وإن كان بعضها أنوارا، وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين في رؤية الأغيار، وتلطفه في دعائهم إلى حسن الآدب بين يدي الواحد القهار؛ حتى يتحققوا بمعنى قوله تعالى: وأن إلى ربك المنتهى فيكون انتهاء سيرهم إليه، وعكوف قلوبهم عليه، وتكون أعمالهم إذ ذاك وفاء بمقتضى العبودية، وقياما بحقوق الربوبية فقط من غير التفات إلى النفس على أي حالة تكون .

فهذا هو تحقيق الإخلاص الكائن على مشاهدة التوحيد الخالص، قال: وفي هذا الحديث النبوي تنبيه على المعنى الذي ذكره، وموضع الاعتبار والتأويل -والله أعلم- قوله في القسم الثاني من الحديث: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" أي: ولا نصيب له من الوصول والقرب الذي حظي به من هاجر إلى الله تعالى ورسوله، وهذا من باب حصر المبتدأ في الخبر، كما تقول: زيد صديقي، أي: لا صديق له غيري، وكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بالقسم الثاني بالدنيا التي يريد أن يصيبها، والمرأة التي يريد أن يتزوجها على حظوظ النفس، والوقوف معها، والعمل عليها كائنة ما كانت، وإن كان ظاهره طلب الحظ العاجل .

فقوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وهو البقاء مع الأكوان، والتنقل فيها، وهو الذي نهى عنه، وهو مشار به غير مصرح، فليكن المريد عالي الهمة والنيات؛ حتى لا يكون التفاته إلى غير المكون البتة. والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث