الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم كم يجب من الزكاة في مائتي درهم ؟ فقال : أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله وعمر رضي الله عنه بشطر ماله ، فقال صلى الله عليه وسلم ما : أبقيت لأهلك ؟ فقال : مثله ، وقال لأبي بكر رضي الله عنه ما : أبقيت لأهلك قال ؟ : الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم : بينكما ما بين كلمتيكما فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده ، وهو الله ورسوله .

التالي السابق


(ولما فهم هذا المعنى في بذل المال انقسم الناس) بحكم الأصل ثلاثة أقسام: قسم صدقوا في التوحيد ووفوا بعهدهم الذي عقدوا ضميرهم عليه (ونزلوا عن جميع أموالهم) لله تعالى، ووضعوها في مواضعها، (فلم يدخروا دينارا ولا درهما وأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم) ، وهؤلاء مشهدهم رؤية الأفعال من الله، وأنه لا أمر للعبد فيها؛ لأنه ما ثم ما يرد إلى الله فإنهم علموا أن الكل لله (حتى قيل لبعضهم) ممن هو في هذا المشهد: (كم يجب في مائتي درهم) ورق (من زكاة؟ فقال: أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم) ، وهو ربع عشر المائتين، (وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع) أشار بذلك إلى مقامه الذي هو فيه، وقيل: المراد بالبعض هنا هو شيبان الراعي، وكان الشافعي وابن حنبل يزورانه ويعتقدانه فسألاه يوما عن الزكاة، فقال لهما: على مذهبكم أو على مذهبنا؟ إن كان على مذهبنا فالكل لله لا نملك شيئا، وإن كان على مذهبكم ففي كل أربعين شاة من الغنم شاة. وقد تقدم هذا للمصنف في كتاب العلم، وذكرنا هناك أن المحدثين لا يثبتون لقاء الإمامين به ويقدحون فيه، وقد أثبت ذلك جماعة من العارفين كأبي طالب المكي والمصنف والشيخ الأكبر، وذكر ذلك في عدة مواضع من كتبه؛ الفتوحات المكية، وكتاب الشريعة، وتقدم بعض هذه العبارات في سياق زكاة الأوقاص في الاعتبارات؛ (ولهذا جاء أبو بكر رضي الله عنه) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (بجميع ماله وعمر رضي الله عنه ينصفه له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أبقيت لأهلك؟ فقال: مثله، وقال لأبي بكر: ماذا أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله) .

قال العراقي: رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر، إلا أنه ليس فيه: (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بينكما ما بين كلمتيكما) ، قلت: لفظ أبي داود من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما؛ فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا. ا ه .

قلت: وروي عن يونس عن الحسن مرسلا أنه قال لهما: ما بين صدقتكما كما بين كلامكما. وتحقيق هذا المقام أن العارفين بالله منهم من يكشف له عن حقيقة ما يعطي، فيقال له: هذا ملكك، فيقبله منه بالأدب والعلم في ذلك أنه ملك استحقاق لمن يستحقه، ومن هو حق له وملك أمانة لمن هو أمانة بيده، وملك وجود لمن هو موجود عنده؛ فالأشياء كلها ملك لله وجودي، وهي للعبد بحسب الحال، فما لا بد له في نفس الأمر من المنفعة به على التعيين فهو ملك استحقاق له، وهو من الطعام والشراب بما يتغذى به في حين التغذي به مما يتغذى لا مما يفضل عنه ويخرج في سبيله، وغير ذلك من الثياب ما يقيه حر الهواء وبرده، وأما ما عدا هذا القدر فهو ملك أمانة بيده لمن يدفع به أيضا ما وقع به هو عن نفسه مما ذكرنا حينئذ، فلا يخلو صاحب هذا المقام إما أن يكون ممن كشف عن أسماء من هي له، وهم أهل القسم الثاني، وسيأتي ذكرهم في الذي يليه، ومنهم من لا يكشف له ذلك فلا يعرف على التعيين ما هو رزقه من الذي هو عنده، فإذا كوشف فيعمل بحسب كشفه، فإن الحكم للعلم في ذلك، وإن لم يكاشف فالأولى أن يخرج عن ماله كله صدقة لله، ورزقه لا بد أن يأتيه ثقة بما عند الله إن كان قد بقي له عند الله ما يستحقه وإن لم يبق له عند الله شيء فلا ينفعه إمساك ما هو ملك له شرعا؛ فإنه لا يستحقه في نفس الأمر، وهو تارك له، وهو غير محمود. هذه أحوال العارفين، وقد يخرج صاحب الكشف عن ماله كله عن كشف؛ لأنه يرى عليه اسم الغير فلا يستحق منه شيئا فتنبه بالصورة من خرج عن ماله كله من غير كشف، فإن لم يكن عنده ثقة بالله فيذمه الشرع إن لم يخرج من ماله كله، ثم بعد ذلك يسأل الناس الصدقة، فمثل هؤلاء لا تقبل صدقته كما ورد في ذلك في حديث [ ص: 104 ] النسائي في الرجل الذي تصدق عليه بثوبين، ثم جاء رجل آخر يطلب أن يتصدق عليه أيضا، فألقى هذا المتصدق الأول أحد ثوبيه صدقة عليه، فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: خذ ثوبك، فلم يقبل صدقته؛ فإذا علم من نفسه أنه لا يسأل ولا يتعرض، فحينئذ له أن يخرج عن ماله كله، ولكن يميز أن الأفضلية إن كان عالما إذا لم يكن له كشف، فإن كان صاحب كشف عمل بحسب كشفه، فينبغي للعالم بنفسه أن يعامل نفسه بما يعامله به الشرع الحاكم عليه، ولا ينظر المريد لما يخطر له في الوقت، فيكون تحت حكم خاطره، فيكون خطؤه أكثر من إصابته، وهنا يتميز العاقل العالم من الجاهل، لكن هذا كله ممن كشف له من أهل الله، وقد سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه لما أتاه بماله كله؛ لمعرفته بحاله ومقامه، وما قال له: هلا أمسكت لأهلك شيئا من مالك؟ وإليه أشار المصنف بقوله: (فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده، وهو الله ورسوله) وأثنى عليه عمر بذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليه، وقال لكعب بن مالك: أمسك بعض مالك، وكان كعب بن مالك قد انخلع من ماله كله صدقة لخاطر خطر له، فلم يعامله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاطره وعامله بما يقتضيه حاله، فقال: أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك .




الخدمات العلمية