الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الصنف السابع : الغزاة الذين ليس لهم مرسوم في ديوان المرتزقة فيصرف إليهم سهم وإن كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو .

التالي السابق


ثم قال المصنف رحمه الله:

(الصنف السابع:) وفي سبيل الله هم (الغزاة الذين ليس لهم مرسوم في ديوان المرتزقة) أي: لا رزق لهم في الفيء (فيصرف إليهم سهم) ولا يصرف شيء من الصدقات إلى الغزاة المرتزقة، كما لا يصرف شيء من الفيء إلى المطوعة، فإن لم يكن مع الإمام شيء للمرتزقة واحتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار، فهل يعطى المرتزقة من الزكاة من سهم سبيل الله؟ فيه قولان، أظهرهما: لا، بل تجب إعانتهم على أغنياء المسلمين، والغزاة يعطون (وإن كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو) ، وبه قال مالك وأحمد: يأخذ الغني منهم كما يأخذ الفقير، وقال أبو حنيفة: هذا السهم مخصوص بجنس خاص من الغزاة، وهو الفقير المنقطع منهم، وبه فسر في سبيل الله وبه قال أبو يوسف، وهو المفهوم من اللفظ عند الإطلاق فلا يصرف إلى أغنياء الغزاة، واختاره النسفي وقال الإسبيجاني: هو الصحيح، وقال الإتقاني: هو الأظهر، واقتصر عليه كثيرون، وقال محمد: هو منقطع الحاج، وهو رواية عن أحمد اختارها الخرقي وأبو بكر عبد العزيز وأبو حفص البرمكي، واحتج أحمد بما رواه أبو عبيدة في الأموال عن مجاهد عن ابن عباس قال: يعتق الرجل من زكاة ماله ويعطى في الحج، ثم رجع الإمام أحمد عنه كما في رواية المجوني لاضطرابه؛ لكونه اختلف في إسناده على الأعمش، ومن ثم لم يجزم به البخاري حيث أورده في الصحيح بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن ابن عباس.. فساقه، ولكن جزم المردواني في المقنع بصحته في العتق والحج، وعلى قوله الفتوى عند الحنابلة، واستدل محمد بن الحسن بما روي أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل عليه الحاج. رواه أبو داود من حديث أم معقل بلفظ: أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله. وفي الاستدلال بهذا نظر؛ لأن المقصود ما هو المراد بسبيل الله المذكورة في الآية، وليس ذلك المراد في الآية، بل نوع مخصوص وإلا فكل الأصناف في سبيل الله بذلك، ثم لا ريب أن الخلاف فيه لا يوجب خلافا في الحكم للاتفاق على أنه إنما يعطى الأصناف كلهم سوى العامل بشرط الفقر، فمنقطع الحاج يعطى اتفاقا، وقال في النهاية: فإن قيل: وفي سبيل الله مكرر، سواء كان منقطع الغزاة أو منقطع الحاج؛ لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أو لا، فإن كان فهو ابن السبيل، وإن لم يكن فهو فقير بعد أن يكون العدد سبعة، أجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر، وهو الانقطاع في عبادة الله من حج أو غزاة؛ فلذلك غاير الفقر المطلق بأن المقيد يغاير [ ص: 151 ] المطلق لا محالة، ودليل أصحاب الشافعي ما رواه مالك وأبو داود وابن ماجه قوله صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، وغارم، وغاز في سبيل الله، ورجل له جار مسكين تصدق بها عليه فأهداها إلى الغني.

ودليل أصحابنا ما رواه أبو داود والترمذي والطحاوي من طريق ريحان ابن يزيد عن عبد الله بن عمرو ورفعه: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي قوة سوي. وقد روي ذلك عن أبي هريرة وغيره من الصحابة من طرق كثيرة .

وأخرج أبو داود والنسائي والطحاوي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم الصدقة فسألاه، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، قال صاحب التنقيح: حديث صحيح، قال: ما أجوده من حديث هو أحسنها إسنادا! فهذا مع ما قبله، وحديث معاذ السابق عند الستة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم يقيد منع غني الغزاة والغارمين عنها، فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة، إذا لم يكن له شيء في الديوان ولم يأخذ من الفيء، وما تقدم من أن الفقراء في حديث معاذ صنف واحد كما قاله ابن الجوزي غير صحيح، فإن ذلك المقام مقام إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم، والمفهوم من فقرائهم من اتصف بصفة الفقر أعم من كونه غارما أو غازيا، فلو كان الغني منهما مصرفا كان فيه ترك البيان في وقت الحاجة؛ لأن في ذلك إبقاء للجهل البسيط، وفي هذا إيقاعهم في الجهل المركب؛ لأن المفهوم لهم من ذلك أن الغني مطلقا ليس يجوز الصرف إليه غازيا أو غيره، فإذا فرض أنه خلاف الواقع لزم ما قلنا، وهو غير جائز فلا ما يقضى إليه، مع أن نفس الأسماء المذكورة في الآية تفيد أن المناط في الدفع إليهم الحاجة؛ لما عرف من تعليق الحكم بالمشتق أن مبدأ اشتقاقه علة، ومأخذ الاشتقاقات في هذه الأسماء تنبه على قيام الحاجة، فالحاجة هي العلة في جواز الدفع إلا المؤلفة قلوبهم، فإن مأخذ اشتقاقه يفيد أن المناط التأليف وإلا العامل فإنه يفيد أنه العمل، وفي كون العمل سببا للحاجة تردد؛ فإنه ظاهرا تكون له أعونة وخدم ويهدى إليه، وغالبا تطيب نفس إمامه، أما بكثير مما يهدى إليه فلا يثبت عليه الفقر في حقه بالشك، وما استدل به أصحاب الشافعي من الحديث المذكور فالجواب عنه من وجوه قبل أنه لم يثبت، ولو ثبت لم يقو قوة حديث معاذ فإنه اتفق عليه الستة، ولو قوي قوته ترجح حديث معاذ بأنه مانع وما رواه مبيح، مع أنه دخله التأويل عندهم؛ حيث قيد الآخذ له بأن لا يكون له شيء من الديوان ولا آخذا من الفيء، وهم أعم من ذلك، وذلك يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله، والله أعلم .



(فصل) في اعتبار إخراجها في سبيل الله

يمكن أن يريد المجاهدين والإنفاق منها في الجهاد؛ لأنه يطلق عليه هذا الاسم عرفا، ويمكن أن يريد سبيل الخير كلها المقربة إلى الله، وأما هذا الصنف بحسب ما يقتضيه الطريق، فسبيل الله ما تعطيه حقيقة هذا الاسم دون غيره من الأسماء الإلهية فيخرجها فيما تطلبه مكارم الأخلاق من غير اعتبار صنف من أصناف المخلوقين، بل ما تقتضيه المصلحة العامة لكل إنسان، بل لكل حيوان حتى الشجرة يراها تموت عطشا فيكون عنده بما يشتري لها ما يسقيها به من مال الزكاة فيسقيها بذلك، فإنه من سبيل الله، وإن أراد المجاهدين، فالمجاهدون معلومون بالعرف من هم، والمجاهدون أنفسهم أيضا في سبيل الله، فيعانون بذلك على جهاد أنفسهم، وفي الخبر: رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، يريد جهاد النفوس ومخالفتها في أغراضها الصارفة عن طريق الله تعالى .




الخدمات العلمية