الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال : ردوا مذمة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام وقال صلى الله عليه وسلم : لو صدق السائل ما أفلح من رده .

وقال عيسى عليه السلام : من رد سائلا خائبا من بيته لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام وكان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يكل خصلتين إلى غيره كان يضع طهوره بالليل ويخمره وكان يناول المسكين بيده وقال صلى الله عليه وسلم : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين المتعفف اقرءوا ؛ إن شئتم : لا يسألون الناس إلحافا وقال صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل ، ما دامت عليه منه رقعة .

التالي السابق


(وقال صلى الله عليه وسلم: ردوا مذمة السائل) بفتح الميم والذال المعجمة فيها لوجهان: الفتح والكسر؛ أي: ما تذمون به على إضاعته، (ولو بمثل رأس الطائر من الطعام) أي: ولو بشيء قليل جدا مما ينتفع به، والأمر للندب .

قال العراقي: رواه العقيلي في الضعفاء عن عائشة ا ه .

قلت: وفي بعض رواياته: ولو بمثل رأس الذباب. وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: لا يصح، والمتهم به إسحاق بن نجيح، قال أحمد: هو من أكذب الناس، وقال يحيى: كان يضع، وقال الذهبي: آفته من عثمان الوقاصي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن علية عن خباب بن المختار عن عمر بن سعيد أن سائلا سأل حميد بن عبد الرحمن فساق الحديث، وفيه: فقال حميد: كان يقال: ردوا السائل ولو بمثل رأس القطاة. .

(وقال صلى الله عليه وسلم: لو صدق السائل ما أفلح من رده) .

قال العراقي: رواه العقيلي في الضعفاء وابن عبد البر في التمهيد من حديث عائشة قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء، وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة بسند ضعيف. اهـ .

قلت: ورواه العقيلي أيضا من حديث ابن عمر، وفي الاستذكار لابن عبد البر، روي من جهة جعفر بن محمد عن أبيه عن جده به مرفوعا، ومن جهة يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة مرفوعا أيضا بلفظ: لولا أن السؤال يكذبون ما أفلح من ردهم. وحديث عائشة عند القضاعي بلفظ: ما قدس بدل ما أفلح، قال ابن عبد البر: وأسانيدها ليست بالقوية، قال الحافظ السخاوي، وسبقه ابن المديني فأدركه في خمسة أحاديث، قال: إنه لا أصل لها، ثم نقل عن العقيلي ما تقدم أنه لا يصح في هذا الباب شيء، قلت: هكذا ذكره الذهبي في الميزان عنه، وأما قوله: وللطبراني نحوه إلخ. فلفظه: لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم، وفيه جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. قاله الهيثمي، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ونازعه الحافظ السيوطي في اللآلئ المصنوعة، والمعنى: لو صدق السائل في صدق ضرورته وحاجته لما حصل الفلاح والتقديس لراده، وفي الرواية الثانية: تخفيف أمر الرد وعدم الجزم بوقوع التهديد؛ لاحتمال أمره كذبا وصدقا، وذلك أن بعضهم جعل المسألة حرفة، سمعت عائشة رضي الله عنها سائلا يقول: من يعشني أطعمه الله من ثمار الجنة، فعشته، فخرج فإذا هو ينادي: من يعشني؟ فقالت: هذا تاجر لا مسكين! (وقال عيسى عليه السلام: من رد سائلا خائبا) أي: من غير شيء ولو قليلا (لم تغش الملائكة) أي: لم تدخل (ذلك البيت سبعة أيام) أي: ملائكة الرحمة؛ لأن تخييب السائل فيه خطر عظيم، فقد روى أحمد والبخاري في التاريخ والنسائي من حديث حواء بنت السكن رضي الله عنها رفعته: ردوا السائل ولو بظلف محرق، يعني: لا تردوه رد حرمان بلا شيء، ولو أنه ظلف. ففيه مبالغة وتحذير عن الرد (وكان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يكل خصلتين إلى غيره) أي: لا يستعين بأحد فيهما (كان يضع طهوره) أي: الماء الذي يتوضأ به (بالليل) عند قيامه (ويخمره) أي: يغطيه بيده، (وكان يناول المسكين) الفقير من الصدقة (بيده) ليكون أوفر ثوابا وأكثر أجرا .

قال العراقي: رواه الدارقطني من حديث ابن عباس بسند ضعيف، ورواه ابن المبارك في البر مرسلا ا ه .

قلت: ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، وأعله الحافظ مغلطاي في شرح ابن ماجه بأن فيه علقمة بن أبي جمرة، وهو مجهول، ومطهر بن الهيثم متروك، ولفظه: كان لا يكل طهوره إلى أحد ولا صدقته التي يتصدق بها، بل يكون هو الذي يتولاها بنفسه. والظاهر أن المراد بالجملة أنه كان لا يستعين بأحد في الوضوء حيث لا عذر، وأما في إحضاره الماء فلا بأس، وكل من الأمرين سنة؛ لأنه أقرب إلى التواضع ومحاسن الأخلاق، أما الأول فمن أمور البيت، وقد روى أحمد من حديث عائشة: كان صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم [ ص: 172 ] وأما مناولة المسكين إن لم يمكنه فبواسطة، ويثب الواسطة بمناولته إياه، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يختص به؛ لأنه أقرب إلى التواضع، أو أن غيره ربما يضعها في غير موضعها اللائق بها .

وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن موسى بن عبيدة عن عباس بن عبد الرحمن المدني، قال: خصلتان لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكلهما إلى أحد من أهله، كان يناول المسكين بيده ويضع الطهور لنفسه. وعن وكيع عن أبي المنهال قال: رأيت علي بن الحسين له جمة وعليه ملحفة، ورأيته يناول المسكين بيده.

قلت: ومما كان صلى الله عليه وسلم يفعل بيده ولا يوكل فيه أحدا ذبح الأضحية. فقد روى أحمد من حديث عائشة: كان يذبح أضحيته بيده..

(وقال صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف؛ اقرؤوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافا ) .

قال العراقي: متفق عليه من حديث عائشة.

قلت: هكذا قال من حديث عائشة، والذي في الصحيحين من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في كتاب الزكاة من طريق شعبة عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فساقه، وسياق المصنف أقرب إلى سياق مسلم بل هو هو؛ فإنه قال: عن أبي هريرة مرفوعا: ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إن المسكين المتعفف؛ اقرؤوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافا . وفي لفظ آخر له: ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والثمرة والثمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله،؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا. ولفظ البخاري: ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحي، أو لا يسأل الناس إلحافا. وأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي كلهم من حديث أبي هريرة، فألفاظه متقاربة بعضها من بعض، (وقال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل، ما دامت عليه منه رقعة) .

قال العراقي: رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن عباس، وفيه خالد بن طهمان ضعيف. اهـ .

قلت: رواه الترمذي في أثناء أبواب الحوض، وقال: حسن غريب، ومن طريقه الحاكم وصححه بلفظ: ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ من الله تعالى، ما دام عليه منه خرقة، وعند أبي الشيخ في كتاب الثواب عن ابن عباس: من كسا مسلما ثوبا لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك، وعند ابن النجار بلفظ: من كسا مسلما ثوبا كان في حفظ من الله ما بقي عليه منه خرقة.

قال الطيبي: وإنما لم يقل: في حفظ الله؛ ليدل على نوع من تفخيم وشيوع هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا حصر ولا عد لثوابه وكلامه، واحتج بهذا الحديث في تفضيل الغنى على الفقر؛ لأن النفع والإحسان صفة الله، وهو يحب من اتصف بشيء من صفاته، فصفته الغني الجواد، فيحب الغني الجواد. وأما خالد بن طهمان أبو العلاء فهو صدوق لكنه شيعي، وضعفه ابن معين، وقال: خلط قبل موته .




الخدمات العلمية