الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة وأن يملك ما يقضي به ديونه وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة .

التالي السابق


(وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة) وهم الأهل لا غير (وأن يملك ما يقضي به ديونه) يشير إلى اعتبار كون الزاد فاضلا عن الدين ، أما إذا كان حالا فلأنه ناجز ، والحج على التراخي ، وأما إذا كان مؤجلا فلأنه إذا صرف ما معه إلى الحج فقد يحل الأجل ولا يجد ما يقضي به الدين ، وقد تخترمه المنية فتبقى ذمته مرتهنة ، وفيه وجه أن المدة إن كانت بحيث تنقضي بعد رجوعه من الحج لزمه الحج ، ولو كان ماله دينا في ذمة إنسان نظر إن تيسر تحصيله في الحال بأن كان حالا ومن عليه مليء مقر وعليه بينة فهو كالحاصل في يده ، وإن لم يتيسر بأن كان من عليه منكرا ولا بينة عليه ، أو كان مؤجلا فهو كالمعدوم ، وقد يتوصل المحتال بهذا إلى دفع الحج فيبيع ماله نسيئة إذا قرب وقت الخروج ، فإن المال إنما يعتبر وقت خروج الناس (وأن يقدر على راحلة) وهي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى فاعلة بمعنى مفعولة (أو كرائها) إن لم يقدر على ملكها (بمحمل) كمجلس ومنبر : الهودج كذا في المصباح أو شق محمل مع شريك (أو زاملة) وهو البعير من زملت الشيء إذا حملته ، سمي به لكونه يحمل متاع المسافر (إن استمسك) بقوة بدنه (على الزاملة) قال الرافعي : الناس على قسمين أحدهما : من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة ، سواء كان قادرا مع المشي أو لم يكن . وقال مالك : القادر على المشي يلزمه الحج ماشيا ، فإذا عرفت ذلك فينظر إن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل ولا يلحقه ضرر ولا مشقة شديدة فلا يعتبر في حقه إلا وجدان الراحلة ، وإلا فيعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضا ، قال في الشامل : وعلى هذا لو كان يلحقه مشقة غليظة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة وهي أعواد مرتفعة في جوانب المحمل يكون عليها ستر دافع للبرد والحر .

وذكر المحاملي وغيره من العراقيين أن في حق المرأة يعتبر المحمل وأطلقوا القول فيه ؛ لأنه أستر لها وأليق بها ، ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل ، فإن وجد مؤنة محمل ووجد شريكا يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج ، وإن لم يجد الشريك فلا ، أما إذا لم يجد إلا مؤنة الشق فظاهر ، وأما إذا وجد مؤنة المحمل بتمامه فقد علله في الوسيط بأن بذل الزيادة خسران لا مقابل له ، أي هي مؤنة مجحفة يعسر احتمالها ، وكان لا يـبعد تخريجه على الخلاف في وجوب أجرة البذرقة ، وفي كلام الإمام إشارة إليه ، الثاني : فيمن ليس بينه وبين مكة مسافة القصر بأن كان من أهل مكة أو كان بينه وبينها دون مسافة القصر ، فإن كان قويا على المشي لزمه الحج ولم يعتبر في حقه وجدان الراحلة ، وإن كان ضعيفا لا يقوى على المشي أو يناله منه ضرر ظاهر فلا بد من الراحلة ، والمحمل أيضا إن لم يمكنه الركوب دونه كما في حق البعيد ، وقد وجدت لبعض أئمة طبرستان من المتأخرين تخريج وجه في أن القريب كالبعيد مطلقا ، والمشهور الفرق ، ولا يؤمر بالزحف بحال وإن أمكن ، قال النووي : في زيادات الروضة وحكى الدارمي وجها ضعيفا من حكاية ابن القطان أنه يلزمه الحبو ، والله أعلم . وإذا اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما أو يتمكن من تحصيلهما ملكا أو استئجارا بثمن المثل أو أجرة المثل .



(فصل)

وقال أصحابنا : المراد بالراحلة شق محمل أو رأس زاملة لا عقبة -وهو بالضم- أن يكتري اثنان راحلة يتعقبان عليها ، يركب أحدهما مرحلة والآخر مرحلة فلا يجب عليه ؛ لأنه غير قادر على الراحلة في جميع الطريق ، وهو الشرط سواء كان قادرا على المشي أو لا ، والقدرة على الراحلة كسبت بالملك أو الإجارة ، [ ص: 295 ] لا بالإباحة والإعارة ، وهذا في حق غير أهل مكة ، وأما هم فليس من شرط الوجوب عليهم الراحلة لعدم المشقة في حقهم ، والمراد بأهل مكة من يستطيع المشي منهم ، وأما من لا يستطيعه فلا بد له منها كالآفاقي ، ولو قدر على غير الراحلة من بغل أو حمار فالمفهوم من تفسير الراحلة أنه لا يجب عليه ، وليس بصريح ، وإنما صرحوا بالكراهة ، والمعتبر في الراحلة في حق كل إنسان ما يبلغه ، فمن قدر على رأس زاملة المسمى في عرفنا بالمقتب ، وأمكنه السفر عليه وجب ، وإن لم يمكنه السفر عليه بأن كان مترفها فلا يجب إلا إذا قدر على شق محمل وهو جانبه ؛ لأن للمحمل جانبين ، ويكفي للراكب أحد جانبيه .



(فصل)

قال الرافعي : ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بحمل الزاد والماء منها ، فإن كان عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عن أهلها ، وانقطعت المياه ، لم يلزمه الحج ؛ لأنه إن لم يحمل معه خاف على نفسه ، وإن حمله لحقه مؤنة عظيمة ، وكذلك الحكم لو كان يوجد فيها الزاد والماء ، ولكن بأكثر من ثمن المثل ، وهو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان ، وإن وجدهما بثمن المثل لزم التحصيل ، سواء كانت الأسعار راخية أو غالية إذا وفى ماله ، ويحتمل حملها قدر ما جرت به العادة في طريق مكة كحمل الزاد من الكوفة إلى مكة ، وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثا إذا قدر عليه ووجدت آلات الحمل ، وأما علف الدابة فيشترط وجوده في كل مرحلة ؛ لأن المؤنة تعظم في حمله لكثرته ، ذكره صاحب التهذيب والتتمة وغيرهما ، والله أعلم .




الخدمات العلمية