الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الخامس الترتيل هو المستحب في هيئة القرآن لأنا سنبين أن المقصود من القراءة التفكر والترتيل معين عليه .

ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا وقال ابن عباس رضي الله عنه لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة .

وقال أيضا : لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا .

وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في الصلاة فكان قيامهما واحدا إلا أن أحدهما قرأ البقرة فقط ، والآخر القرآن كله ، فقال : هما في الأجر سواء .

واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضا الترتيل والتؤدة ; لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام ، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة ، والاستعجال .

التالي السابق


(الخامس الترتيل) قال الله تعالى ورتل القرآن ترتيلا وهو التمهل في القراءة، وعدم الإعجال، وذلك (هو المستحب في هيئة القرآن) ، بل الأفضل لجمعه الأمر والندب (لأنا سنبين) فيما بعد أن المقصود من القراءة التفكر في معاني ما يقرأ، والتدبر والترتيل معين له (عليه) .

وقد روي عن علي - رضي الله عنه - قال لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها، (وبذلك نعتت أم سلمة) رضي الله عنها (قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم) لما سئلت عنها، (فإذا) للمفاجأة أفاد بها بأنها أجابت بذلك على الفور، وأن ذلك يدل على قوة ضبطها واستحضارها لصفة قراءته صلى الله عليه وسلم (هي تنعت) ، أي: تصف (قراءة مفسرة حرفا حرفا) أي: مبينة واضحة مفصولة الحروف من التفسير، وهو البيان ووصفها لذلك إما بأن تقول كانت قراءته كذا، أو بالفعل بأن تقرأ كقراءته صلى الله عليه وسلم قيل: وظاهر السياق يدل على الثاني، قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح اهـ .

قلت: وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والحاكم والدارقطني وغيرهم، عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها قطعها آية آية الحديث، والمعنى أن قراءته صلى الله عليه وسلم كانت ترتيلا لا هذا، ولا عجلة، بل مفسرة الحروف مستوفية ما تستحقه من مد وغيره; لأنه كان يقطعها آية آية .

(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما: (لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة) ، نقله صاحب القوت .

(وقال أيضا: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا) نقله أيضا صاحب القوت، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن زيد بن ثابت: لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع أقف وأدعو، (وسئل مجاهد) بن جبير التابعي الجليل (عن رجلين دخلا في صلاة فكان قيامهما واحدا إلا أن أحدهما قرأ البقرة فقط، والآخر القرآن كله، فقال: هما في الأجر سواء) ; لأن قيامهما كان واحدا وأفضل الترتيل والتدبر ما كان في صلاة ويقال: إن التفكر في الصلاة أفضل منه في غيرها; لأنهما عملان هكذا أورده صاحب القوت .

وفي النشر اختلف هل الأفضل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرتها؟ أجاب بعض أئمتنا فقال: إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا وثواب الكثرة أكثر عددا; لأن بكل حرف عشر حسنات اهـ .

وقال في شرح المهذب: واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، وقالوا: قراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، (واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضا الترتيل والتؤدة; لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة، والاستعجال) ، وهذا قد أورده النووي في [ ص: 479 ] شرح المهذب عن الأئمة، قالوا: استحباب الترتيل للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه .




الخدمات العلمية