الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم ليحلق بعد ذلك والسنة أن يستقبل القبلة ويبتدئ بمقدم رأسه فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا ثم ليحلق الباقي ويقول اللهم أثبت لي بكل شعرة حسنة وامح عني بها سيئة وارفع لي بها عندك درجة ، والمرأة تقصر الشعر والأصلع يستحب له إمرار الموسى على رأسه ومهما حلق بعد رمي الجمرة فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل المحذورات إلا النساء والصيد .

التالي السابق


(ثم ليحلق بعد ذلك) ، اعلم أنه اختلف في الحلق في وقته، هل هو نسك أم لا ؟ أحد القولين: إنه ليس بنسك، وإنما هو استباحة محظور، وأصحهما وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: إنه نسك مثاب عليه، والقولان جاريان في العمرة ووقته في العمرة يدخل بالفراغ من السعي فعلى القول الأصح هو من أعمال النسكين، وليس هو بمثابة الرمي والمبيت، بل هو معدود من الأركان، ولهذا لا يجبر بالدم ولا تقام الفدية مقامه، ولو جامع المعتمر بعد السعي وقبل الحلق فسدت عمرته لوقوع جماعه قبل التحلل، وللرجال إقامة التقصير مقام الحلق، وكل واحد من الحلق والتقصير يختص بشعر الرأس (والسنة) ، إذا حلق (أن يستقبل القبلة ويبدأ بمقدم رأسه فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا) .

روي ذلك عن ابن عمر أنه كان يقول للحالق: ابلغ العظم، أخرجه الشافعي وقال: هو العظم الذي عنده منقطع الصدغين، وأخرجه سعيد بن منصور وقال: ابلغ العظمين وأحب البداءة بالأيمن، ثم الأيسر، فرواه الشيخان من حديث أنس بلفظ: ثم قال للحلاق: خذ رأسه إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، وفي رواية: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، (ثم يحلق الباقي) ، وبه تم جميع الرأس وهو الأفضل، وأن يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره وأن يصلي بعده ركعتين، وروى ابن الجوزي في مثير العزم عن وكيع، قال: قال لي أبو حنيفة: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام، وذلك إني حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام فقلت له: بكم تحلق رأسي، فقال: أعراقي أنت، قلت: نعم. قال: النسك لا يشارط عليه، اجلس فجلست منحرفا عن القبلة، فقال لي: حرك وجهك للقبلة وناولته الجانب الأيسر، فقال: أدر الشق الأيمن فأدرته، وجعل يحلق وأنا ساكت، فقال لي: كبر فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب، فقال لي: أين تريد؟ قلت: رحلي، قال: صل ركعتين ثم امض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح، يفعل وإن قصر فليقصر الجميع، وأقل ما يجزئ حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها، وفي تكميل الفدية في الشعرة الواحدة رأي بعيد، وهو عائد في حصول النسك بحلقها، ولو حلق ثلاث شعرات في دفعات، أو أخذ من شعرة واحدة شيئا، ثم عاد ثانيا وأخذ منها شيئا، ثم عاد فالنسك واحد فإن كملنا الفدية لو كان محظورا، قلنا: بحصول النسك ولا فرق إذا قصر بين أن يكون المأخوذ مما يحاذي الرأس [ ص: 400 ] أو من المسترسل، وفي وجه لا يغني الأخذ من المسترسل اعتبارا بالمسح .

وقال أبو حنيفة: لا أقل من حلق ربع الرأس، وقال مالك: لا بد من حلق الأكثر ولا يتعين للحلق والتقصير آلة، بل حكم النتف والإحراق والإزالة بالنورة والموسى والمقص واحد، وقال الشافعي: ولو أخذ من شاربه أو لحيته شيئا كان أحب إلي لئلا يخلو من أخذ الشعر، قلت: روي ذلك عن ابن عمر عند مالك، وأبي ذر الهروي، وأخرج الملأ في سيرته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق أخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن يدفنا، ثم أفاض (وليقل) عند الحلق أو التقصير: (اللهم أثبت) وفي نسخة: اكتب (لي بكل شعرة حسنة وامح عني بكل شعرة سيئة وارفع لي بها عندك درجة، والمرأة تقصر من شعرها) .

لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن. أخرجه أبو داود والدارقطني والطبراني من حديث ابن عباس، قال الحافظ: وإسناده حسن وقواه أبو حاتم في العلل، والبخاري في التاريخ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواز فأصاب، والمستحب لهن في التقصير أن يأخذن من طرف شعورهن بقدر أنملة من جميع الجوانب، قاله الرافعي، قلت: روي ذلك عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: تجمع رأسها وتأخذ قدر أنملة، وروي موقوفا عليه بلفظ: المرأة إذا أرادت أن تقصر جمعت شعرها إلى مقدم رأسها ثم أخذت منه أنملة، وعن عطاء قال: تأخذ قدر ثلاث أصابع مقبوضة، أو أربع أصابع، وعنه تأخذ من أطرافه طويلة وقصيرة، وعن إبراهيم مثله وعنه في المرأة تقصر من شعرها قدر مفصلين، أخرج جميع ذلك سعيد بن منصور.

وأخرج الدارقطني عن عطاء قال: تأخذ المحرمة من رأسها إذا قصرت أصبعا بقدر السبابة، (والأصلع) الذي لا شعر على رأسه خلقة (يستحب له إمرار الموسى على رأسه) ، تشبيها بالحالقين، وعند أبي حنيفة يجب إمرار الموسى على الرأس، وللشافعي أن العبادة إذا تعلقت بجزء من البدن سقطت بفواته كغسل الأعضاء في الوضوء قال الرافعي: وجميع ما ذكر فيما إذا لم يلتزم الحلق، أما إذا التزمه فنذر الحلق في وقته تعين، ولم يقم التقصير مقامه ولا النتف ولا الإحراق، وفي استئصال الشعر بالمقص وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام، والظاهر المنع لفوات اسم الحلق، ولو نذر استيعاب الرأس بالحلق ففيه تردد عن القفال، (ومهما حلق بعد رمي الجمرة فقد حصل له التحلل الأول ) كما سيأتي بيانه قريبا، ثم أشار إلى ما يحل بالتحلل الأول، فقال: (ويحل له المحظورات في الإحرام) ، لا خلاف في أن الوطء لا يحل ما لم يوجد التحللات، لكن المستحب أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، ويحل اللبس والتقليم وستر العورة، والحلق إذا لم نجعله نسكا بالتحلل الأول .

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا رميتم وحلقتم رءوسكم فقد حل لكم الطيبات واللباس وكل شيء (إلا النساء) ، رواه أحمد عن عائشة مرفوعا بهذا اللفظ، ورواه أبو داود بلفظ: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج كالقبلة والملامسة (و) قتل (الصيد) قولان: أحدهما أنها تحل أما في غير الصيد فلأنها محظورات الإحرام، لا تفسده. ... فأشبهت الحلق والتقليم، وأما في الصيد; فلأنه لم يستثن في الخبر المذكور إلا النساء، والثاني لا تحل، أما في غير الصيد فلتعلقها بالنساء، وأما الصيد فلقوله تعالى: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والإحرام باق، ثم اتفقوا في مسألة الصيد على أن قول الحل أصح، واختلفوا في النكاح والمباشرة فذكر صاحب المهذب وطائفة أن الأصح فيهما الحل .

وقال الآخرون: بل الأصح فيهما المنع، ومنهم المسعودي، وصاحب التهذيب وهو الأكثر عددا، وقولهم أوفق لظاهر النص في المختصر، وفي التطيب طريقان، والمذهب أنه يحل، بل يستحب أن يتطيب لحله بين التحللين .




الخدمات العلمية