الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال تعالى في سورة المؤمنين : قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون : 88-89] . [ ص: 291 ]

يعني : إذا سألت عن الكفار ، لمن التصرف في العالم على وجه لا يقابله حام ؟ فإنهم يقولون: إن هذا الشأن هو لله ، فمن أين يتخبطون ؟

والآية أفادت أن الله لم يعط أحدا قدرة التصرف في العالم ، ولا يقدر أحد أن يحمي أحدا دونه .

وفيها : أن كفار زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم مساوون لله ، بل يعتقدون أن كل ما سوى الله مخلوق لله ، وعبيد له ، ولم يكونوا يثبتون لأحد قوة ، وتصرفا ، وطاقة في مقابلته سبحانه ، ولم يكن شركهم هذا إلا هذا الدعاء ، والنذر ، واعتقاد الوكالة ، والشفاعة فيهم .

فكان ذلك كفرهم ، وشركهم بالله الذي رده عليهم في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

فمن عامل أحدا هذه المعاملة ، وإن اعتقده عبدا ، ومخلوقا له تعالى ، فهو وأبو جهل اللعين سواء في الشرك .

وليس الشرك موقوفا على أن يسوي أحدا بالله ، ويجعله مقابلا له تعالى .

بل معنى الشرك : أن الأشياء المختصة بالله تعالى التي جعلها أمارة العبودية ، وعلامتها على عبيده ، يفعله لغير الله ؛ كالسجدة ، والذبح ، والنذر ، والدعاء عند الشدة ، وأنه حاضر ناظر ، وله قدرة ، وتصرف .

فمن اعتقد هذا في غيره تعالى ، فقد صار مشركا ، وثبت منه الشرك ، وإن قال: إن هذا الغير أصغر من الله ، وخلقه ، وعبده ، ولا فرق في هذا الأمر - يعني : الشرك - بين الأنبياء ، والأولياء ، والجنيات ، والشياطين .

فأي شيء يعامل به هذه المعاملة أنبياء كانوا أو شيوخا ، أو شهداء ، أو الجنيات ، أو الشياطين ، يكون شركة ، ويصير صاحبه مشركا .

كيف وقد وجد الله على اليهود والنصارى كما وجد على عابدي الأصنام ؛ لأنهم كانوا يعاملون هذه المعاملة مع الأنبياء ، والأولياء كما قال سبحانه في سورة براءة : [ ص: 292 ] اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [التوبة : 31] .

يعني : اعتقدوا أن الله مالك كبير وراءه مالكون آخرون صغيرون ، وهم الأحبار ، والرهبان ؛ أي : العلماء والمشايخ ، مع أن الله لم يحكم لهم بهذا.

وثبت الشرك عليهم بهذا الاتخاذ .

وهو سبحانه -وحده - مالك لا شريك له ، صغيرا كان ، أو مثيلا ، بل جميع الأكابر والأصاغر عبيد له عاجزون ، سواسية في العجز ، وعدم القدرة ، والتصرف في العالم كما أفصح بذلك في سورة مريم - عليها السلام - : لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [مريم : 93-95] .

وهذا يدل على أن أحدا من الملائكة والبشر لا تزيد رتبته على العبدية ، والرقية ، والمملوكية .

وكلهم عاجزون في قبضته ، ليس لهم قدرة أصلا ، وكل واحد من هؤلاء يأتيه فردا فردا ، لا يكون له أحد عنده وكيلا ، ولا حاميا ، ولا شفيعا .

والآيات في هذا الباب في الكتاب العزيز كثيرة طيبة جدا .

فمن فهم معنى هذه الآيات العديدة التي ذكرناها ، فهم معنى الشرك ، وعلم مضمون التوحيد .

ولا بد في هذا الوضع من العلم بأن أي أشياء خصها الله تعالى لنفسه ، واستأثر بها ، لا ينبغي أن يشرك به فيها .

وهذه الأشياء كثيرة ، نذكر منها نبذة يسيرة ، دل عليها هذا الكتاب ، ونطقت بها الأحاديث ، فقس عليها الباقي . [ ص: 293 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية