الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة ، فلنذكر منها ما تيسر .

الحديث الأول :

قال الإمام أحمد -رضي الله عنه - بسنده عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدواوين عند الله ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئا ، وديوان لا يترك الله منه شيئا ، وديوان لا يغفره الله ، أما الديوان الذي لا يغفره الله : فالشرك بالله .

قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية .

وقال : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [المائدة : 72] .

وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا : فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم تركه ، أو صلاة ؛ فإن الله يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء . [ ص: 362 ]

وأما الديوان الذي لا يترك منه شيئا : فظلم العباد بعضهم بعضا لا محالة »
تفرد به أحمد .

الحديث الثاني :

قال البزار في «مسنده » بسنده : عن أنس بن مالك -رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره الله ، وظلم لا يترك الله منه شيئا .

فالظلم الذي لا يغفره الله : فالشرك ، وقال : إن الشرك لظلم عظيم [لقمان : 13] .

وأما الظلم الذي يغفره الله : فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم ، وبين ربهم .

وأما الظلم الذي لا يتركه : فظلم العبيد بعضهم بعضا ، حتى يدين لبعضهم من بعض »
.

الحديث الثالث :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده عن أبي إدريس ، قال: سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «كل ذنب عسى الله أن يغفره ، إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا » رواه النسائي عن محمد بن المثنى ، عن صفوان ، به .

الحديث الرابع :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده : إن أبا ذر حدث ابن غنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله يقول : يا عبدي ! إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لقيتك بقرابها مغفرة » تفرد به أحمد من هذا الوجه .

الحديث الخامس :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده : إن أبا ذر حدث أبا الأسود الدؤلي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ، ثم مات على ذلك، إلا [ ص: 363 ] دخل الجنة » ، قلت : وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال: «وإن زنى وإن سرق » ، قلت : وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال: «وإن زنى وإن سرق » . ثلاثا ، وقال في الرابعة : «وعلى رغم أنف أبي ذر » . وأخرجاه أيضا من حديثه .

وها هنا طريق آخر لحديث أبي ذر :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده عن أبي ذر ، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم من حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى «أحد » ، فقال : «يا أبا ذر ! » ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال: «ما أحب أن لي أحدا ذهبا أمسي ثالثة ، وعندي منه دينار ، إلا دينارا أرصده - يعني : لدين - إلا أن أقول به على عباد الله هكذا ، وهكذا » فحثى عن يمينه ، وعن يساره ، وبين يديه ، قال: ثم مشينا ، فقال : «يا أبا ذر ! إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة ، إلا من قال هكذا ، وهكذا » ، فحثى عن يمينه ، وبين يديه ، وعن يساره ، ثم مشينا ، فقال : «يا أبا ذر ! كما أنت حتى آتيك » ، قال: فانطلق حتى توارى عني ، قال: فسمعت لغطا ، وأصواتا ، فقلت : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له ، قال: هممت أن أتبعه ، قال: فذكرت قوله : «لا تبرح حتى آتيك » ، فانتظرته حتى جاء ، فذكرت له الذي سمعت ، فقال : ذاك جبريل أتاني ، فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا ، دخل الجنة ، قلت : وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال: وإن زنى وإن سرق » أخرجاه من حديث الأعمش ، به .

وقد روى البخاري ، ومسلم أيضا ، كلاهما عن قتيبة ، بإسنادهما عن أبي ذر ، قال: خرجت ليلة من الليالي ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه إنسان ، قال: فظننت أنه يكره أن يمشى معه ، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر ، فالتفت ، فرآني ، فقال : «من هذا ؟ » ، فقلت : أبو ذر ، جعلني الله فداك ، قال: «يا أبا ذر ! تعال » ، قال: فمشيت معه ، فقال : «إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة ، إلا من أعطاه الله خيرا ، فجعل يبثه عن يمينه ، وشماله ، وبين يديه ، ووراءه ، وعمل فيه خيرا » ، وقال : فمشيت معه ساعة ، فقال : «اجلس ها هنا » ، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة ، فقال : «اجلس هاهنا حتى أرجع إليك » ، فانطلق في الحرة لا أراه ، فلبث عني ، حتى إذا طال اللبث ، ثم إني سمعته وهو [ ص: 364 ] مقبل ، وهو يقول : «إن زنى ، وإن سرق ؟ » ، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت : يا نبي الله ! جعلني الله فداك ، من تكلم من جانب الحرة ؟ فإني سمعت أحدا يرجع إليك ، قال: «ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة ، فقال : بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : يا جبريل ! وإن سرق ، وإن زنى ؟ قال: نعم ، وإن شرب الخمر » .

الحديث السادس :

قال عبد بن حميد في «مسنده » بسنده عن جابر ، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله ! ما الموجبتان ؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا ، وجبت له الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا ، وجبت له النار » ، تفرد به من هذا الوجه ، وذكر تمام الحديث .

طريق أخرى :

قال ابن أبي حاتم بسنده عن جابر بن عبد الله ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا ، إلا حلت لها المغفرة ، إن شاء الله عذبها ، وإن شاء غفرها إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

ورواه الحافظ أبو يعلى في «مسنده » بسنده عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب » ، قيل: يا نبي الله ! وما الحجاب ؟ قال: «الإشراك بالله ، قال: ما من نفس لا تشرك بالله شيئا ، إلا حلت لها المغفرة ؛ إن شاء أن يعذبها ، وإن شاء أن يغفر لها ، ثم قرأ نبي الله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الآية .

الحديث السابع :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده عن عبد الله بن ناشر من بني سريع ، قال: سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول : سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إليهم ، فقال : «إن ربكم -عز وجل - خيرني بين سبعين ألفا يدخلون الجنة عفوا بغير حساب ، وبين الخبيئة عنده ، فقال بعض [ ص: 365 ] أصحابه : أيخبأ ربك ؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج وهو يكبر ، وقال : إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفا ، والخبيئة عنده » .

قال أبو رهم : يا أبا أيوب ! وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأكله الناس بأفواههم ، فقالوا : وما أنت بخبيئة رسول الله ؟ ! فقال أبو أيوب : دعوا الرجل عنكم ، أخبركم عن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أظن كالمستيقن ، إن خبيئة رسول الله أن يقول : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، مصدقا لسانه قلبه ، إلا دخل الجنة »
.

الحديث الثامن :

قال ابن أبي حاتم بسنده عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري ، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : إن لي ابن أخي لا ينتهي عن الحرام ، قال: «وما دينه ؟ » ، قال: يصلي ، ويوحد الله ، قال: «استوهبه من دينه ، فإن أبى ، فابتعه منه » ، فطلب الرجل ذلك منه ، فأبى عليه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره ، قال: وجدته شحيحا على دينه ، قال: فنزلت : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الحديث التاسع :

قال أبو يعلى بسنده عن أنس -رضي الله عنه - ، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله ! ما تركت حاجة ، ولا داجة إلا قد أتيت ؟ قال: «أليس تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ؟ ثلاث مرات » ، قال: نعم ، قال: «فإن ذلك يأتي على ذلك كله » .

الحديث العاشر :

قال أحمد -رحمه الله - بسنده : إن جوشن النهائي قال: قال لي أبو هريرة : بإيماني ! لا تقولن لرجل : لا يغفر الله لك ، أو : لا يدخلك الجنة [ ص: 366 ] أبدا ، فقلت : يا أبا هريرة ! إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب ، قال: لا تقلها ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «كان في بني إسرائيل رجل مجتهدا في العبادة ، والآخر مسرفا على نفسه ، وكانا متآخيين ، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب ، قال: فيقول : يا هذا ! أقصر ، فيقول : علي أوزاري ، أبعثت علي رقيبا ؟ إلى أن رآه يوما على ذنب ، قال له : ما لك ؟ ويحك أقصر ، قال: علي أوزاري ، أبعثت علي رقيبا ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك ، ولا يدخلك الجنة أبدا ، قال: فبعث إليهما ملكا ، فقبض أرواحهما ، واجتمعا عنده ، فقال للمذنب : ادخل الجنة ، وقال للآخر : أكنت على ما في يدي قادرا ؟ اذهبوا به إلى النار ، قال: والذي نفس أبي القاسم بيده ! إنه لتكلم بكلمة أوبقت دنياه ، وآخرته » .

ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار ، حدثني ضمضم بن جوشن ، به .

الحديث الحادي عشر :

قال الطبراني بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله -عز وجل - : من علم أني ذو قدرة على الذنوب ، غفرت له ، ولا أبالي ، ما لم يشرك بي شيئا » .

الحديث الثاني عشر :

قال البزار ، وأبو يعلى بسندهما عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وعده الله على عمل ثوابا ، فهو منجزه له ، ومن توعده على عمل عقابا ، فهو فيه بالخيار » تفردا به .

وقال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر ، قال: كنا -أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وقاذف المحصنات ، وشهادة الزور حتى نزلت : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فأمسك أصحاب صلى الله عليه وسلم عن الشهادة .

ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن حماد . [ ص: 367 ]

وقال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر ، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب حتى نزلت علينا هذه الآية : إن الله لا يغفر الآية ، قال: فلما سمعناها ، كففنا عن الشهادة ، وأرجينا الأمور إلى الله -عز وجل - .

وقال البزار بسنده عن ابن عمر ، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لا يغفر الآية .

وقال : «أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة »
.

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن عبد الله بن عمر : أنه قال: لما نزلت : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، قام رجل ، فقال : والشرك بالله يا نبي الله ؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك رواه ابن جرير .

وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر .

وهذه الآية التي في سورة «تنزيل » مشروطة بالتوبة ، فمن تاب من أي ذنب -وإن تكرر منه - تاب الله عليه ، ولهذا قال: إن الله يغفر الذنوب جميعا ؛ أي : بشرط التوبة ، ولو لم يكن كذلك، لدخل الشرك فيه ، ولا يصح ذلك ؛ لأنه تعالى قد ختم هاهنا بأنه لا يغفر الشرك ، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء ؛ أي : وإن لم يتب صاحبه .

فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية