الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ. (29) قوله: لئلا يعلم : هذه اللام متعلقة بمعنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله وآمنتم برسله يؤتكم كذا وكذا، لئلا يعلم. وفي "لا" هذه وجهان، أحدهما: وهو المشهور عند النحاة والمفسرين والمعربين أنها مزيدة كهي في: ما منعك ألا تسجد ، و أنهم إليهم لا يرجعون على خلاف في هاتين الآيتين. والتقدير: أعلمكم الله بذلك، ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله وثبوت أن الفضل بيد الله، وهذا واضح بين، وليس فيه إلا زيادة ما ثبتت زيادته شائعا ذائعا.

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أنها غير مزيدة. والمعنى لئلا يعلم أهل الكتاب عجز المؤمنين، نقل ذلك أبو البقاء وهذا لفظه، وكان قد قال قبل ذلك: "لا" زائدة والمعنى: ليعلم أهل الكتاب عجزهم، وهذا غير مستقيم; لأن المؤمنين عاجزون أيضا عن شيء من فضل الله وكيف يعمل هذا القائل بقوله: وأن الفضل بيد الله ; فإنه معطوف على مفعول العلم المنفي فيصير التقدير: ولئلا يعلم أهل الكتاب أن الفضل بيد الله؟ هذا لا يستقيم نفي العلم به البتة، فلا جرم كان قولا مطرحا ذكرته تنبيها على فساده.

                                                                                                                                                                                                                                      وقراءة العامة "لئلا" بكسر لام كي وبعدها همزة مفتوحة مخففة. [ ص: 259 ] وورش يبدلها ياء محضة وهو تخفيف قياسي نحو: مية وفية، في: مئة وفئة. ويدل على زيادتها قراءة عبد الله وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة "ليعلم" بإسقاطها، وقراءة حطان بن عبد الله "لأن يعلم" بإظهار "أن". والجحدري أيضا والحسن "لينعلم" وأصلها كالتي قبلها لأن يعلم، فأبدل الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة، وقد تقدم أنه قياس كقراءة ورش "ليلا" ثم أدغم النون في الياء. قال الشيخ : "بغير غنة كقراءة خلف: أن يضرب بغير غنة". انتهى. فصار اللفظ لينعلم. وقوله: "بغير غنة" ليس عدم الغنة شرطا في صحة هذه المسألة، بل جاء على سبيل الاتفاق ولو أدغم بغنة لجاز ذلك فسقوطها في هذه القراءات يؤيد زيادتها في المشهورة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ الحسن أيضا فيما روى عنه أبو بكر بن مجاهد : "ليلا يعلم" بلام مفتوحة وياء ساكنة كاسم المرأة ورفع الفعل بعدها. وتخريجها: على أن أصلها: لأن لا، على أنها لام الجر ولكن فتحت على لغة معروفة، وأنشدوا:


                                                                                                                                                                                                                                      4237 - أريد لأنسى ذكرها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 260 ] بفتح اللام، وحذفت الهمزة اعتباطا، وأدغمت النون في اللام فاجتمع ثلاثة أمثال فثقل النطق به فأبدل الوسط ياء تخفيفا، فصار اللفظ "ليلا" - كما ترى - ورفع الفعل; لأن "أن" هي المخففة لا الناصبة، واسمها على ما تقرر ضمير الشأن، وفصل بينها وبين الفعل الذي هو خبرها بحرف النفي.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ الحسن أيضا - فيما روى عنه قطرب - "ليلا" بلام مكسورة وياء ساكنة ورفع الفعل، وهي كالتي قبلها في التخريج. غاية ما في الباب أنه جاء بلام مكسورة كما في اللغة الشهيرة. وروي عن ابن عباس "لكي يعلم"، و"كي يعلم" وعن عبد الله "لكيلا" وهذه كلها مخالفة للسواد الأعظم ولسواد المصحف.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ العامة: ألا يقدرون بثبوت النون على أن "أن" هي المخففة، وعبد الله بحذفها على أن "أن" هي الناصبة وهذا شاذ جدا; لأن العلم لا تقع بعده الناصبة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يؤتيه من يشاء الظاهر أنه مستأنف. وقيل: هو خبر ثان عن الفضل. وقيل: هو الخبر وحده، والجار قبله حال وهي حال لازمة; لأن كونه بيد الله تعالى لا ينتقل البتة.

                                                                                                                                                                                                                                      [تمت بعونه تعالى سورة الحديد]

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية