الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والسؤال الثالث : قال المزني فإن قيل : ففرض الصلاة يلزم السكران ولا يلزم المجنون ؛ فلذلك فرض الصلاة يلزم النائم ولا يلزم المجنون فهل يجيز طلاق السكران لأنه لا يعقل ما يقول قال الله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : 43 ] فلم تكن له صلاة حتى يعلمها ويريدها، كذلك لا طلاق له ولا ظهار حتى يعلمه ويريده . وذكر المزني في هذا السؤال ثلاثة فصول :

                                                                                                                                            أحدها : أنه قال لو لزم طلاق السكران لأن فرض الصلاة يلزمه ولا يلزم المجنون لوجب أن يلزم طلاق النائم، وطلاقه لا يلزم وإن لزمه الفرض، كذلك السكران .

                                                                                                                                            والجواب عنه : أننا لسنا نوقع طلاقه للزوم فرض الصلاة له فنوجب إلحاقه بالنائم وإنما نوقعه لإحدى المعاني الثلاثة : إما لأنه غير معذور والنائم معذور وإما لأنه عاص [ ص: 424 ] يستحق التغليظ، والنائم ليس بعاص وغير مستحق للتغليظ ، وإما لأنه متهم بإظهار سكره كذبا، والنائم غير متهم .

                                                                                                                                            والثاني : أنه قال إن كان النائم لا يقع طلاقه لأنه لا يعقل فالسكران لا يعقل .

                                                                                                                                            والجواب عنه : أنه ليس حد السكر عندنا أنه لا يعقل فيصير ملحقا بالنائم وقد حده الشافعي رضي الله عنه فقال : السكران من عزب عنه بعض عقله فكان مرة يعقل ومرة لا يعقل .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : السكران من لا يعرف الليل من النهار والسماء من الأرض وهذا بعيد أن يوجد في السكر .

                                                                                                                                            وقال الأوزاعي : هو من لا يميز رداءه من أردية الحي .

                                                                                                                                            قال آخرون : هو من يخلط في كلامه ، وإذا كانت المذاهب مختلفة في حد السكران وكان المزني مخالفا فيها لم يكن خلافه حجة له، وإن سلم الحد الذي ذكرناه بأن به الفرق بينه وبين النائم .

                                                                                                                                            والثالث : أن استدل بقول الله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : 43 ] فلم يكن [ له ] صلاة حتى يعلمها ويريدها كذلك لا طلاق له ولا ظهار حتى يعلمه ويريده . وعنه جوابان أحدهما : فساد الاستدلال بها لأنه جعل وقوع الطلاق معتبرا بصحة الصلاة والشرط فيهما [ مختلف ] فلم يجز أن يكون أحدهما معتبرا بالآخر لأن الصلاة لا تصح إلا بكمال جميع العقل والتمييز، والطلاق لا يسقط إلا بزوال جميع العقل والتمييز ، والسكران خارج ممن كمل ( جميع ) عقله وتمييزه، فلذلك لم تصح صلاته، وخارج ممن زال جميع عقله وتمييزه فلذلك وقع طلاقه .

                                                                                                                                            والجواب الثاني : أننا نجعلها دليلا عليه في وقوع طلاقه لأنه خاطبه بالصلاة أمرا بها إذا علم، ونهيا عنها إذا جهل عنها، والخطاب على وجهين : خطاب مواجهة مختص بالعقل، وخطاب إلزام يدخل فيه جميع الأصاغر والمجانين ، ولا يخلو هذا الخطاب من أحد أمرين : إما أن يكون في حال السكر فهو مواجهة، وإما في غير حال السكر فهو إلزام وعلى أيهما كان لم يخرج منه لسكره .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية