الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو قال متى أعطيتني ألفا فأنت طالق " فذلك لها وليس له أن يمتنع من أخذها ولا لها إذا أعطته أن ترجع فيها " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال ، إذا قال لها متى أعطيتني ألفا فأنت طالق ، أو متى ما أعطيتني ألفا فأنت طالق ، فهما سواء ، لأن " ما " حرف صلة تدخل في الكلام للتأكيد لا يفيد نفيا ولا إثباتا كقوله تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم [ آل عمران : 159 ] أي فبرحمة من الله ، وإذا كان كذلك فأي وقت أعطته الألف طلقت على الفور أو على التراخي ، لأن " متى " حرف وضع للتراخي في الأوقات ، وهكذا لو قال : أي وقت أعطيتني ألفا ، أو : في أي زمان أعطيتني ألفا فأنت طالق ، فهو على التراخي متى أعطته الألف طلقت ، لا يختص بوقت دون وقت ، ولا بالفور دون التراخي ، لأن كل هذه الحروف يختص بالزمان فعمت جميع الأزمان .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفليس لو قال إن أعطيتني ألفا أو قال : إذا أعطيتني ألفا أنت طالق أنه يكون على الفور ، وإن اختلف حكم " إن " و " إذا " في الشرط ، لأن اقتران العوض بهما سوى بين حكميهما في الفور تغليبا لحكم العوض المستحق قبوله على الفور فهلا كان قوله : متى أعطيتني ألفا ، يجب حمله على الفور ، وإن كان موضوعا للتراخي تغليبا لحكم العوض .

                                                                                                                                            قيل : الفرق بينهما أن " إذا " و " إن " من حروف الشرط التي لا تختص بالزمان ، و " متى " من حروف الزمان التي تعم جميعها حقيقة والعوض مختص بالفور من طريق الاستدلال ، لا من طريق الحقيقة فإذا اقترن بحرف الشرط حمل على مقتضاه من الفور ، وإن كان بالاستدلال ، لأنه لم تعارضه ما ينافيه ، وإذا اقترن بحرف الزمان الموجب للتراخي حمل على التراخي ، لأن ما أوجب التراخي من طريق الحقيقة غير محتمل ، وما أوجب الفور من طريق الاستدلال محتمل ، كما تقول في القياس إنه يخص بالعموم ، لأنه محتمل ولا يخص النص ، لأنه غير محتمل ، فإذا دخل على " متى " [ ص: 46 ] حرف النفي فقال لها : متى لم تعطني ألفا فأنت طالق ، فاقتضى ذلك الفور على التراخي ، فمتى جاء زمان يمكنها دفع الألف فيه فلم تدفعها طلقت ، والفرق بينهما هو أن " متى " يختص بالزمان ، فإذا اقترن به الإثبات صار تقديره : متى جاء زمان أعطيتني فيه ألفا فأنت طالق ، فإذا أعطته بعد تراخي الزمان فقد جاء زمان دفعت فيه الألف فطلقت .

                                                                                                                                            فأما إذا اقترن به حرف النفي صار تقديره متى جاء زمان لم تدفعي فيه ألفا فأنت طالق ، فإذا مضى زمان المكنة فقد جاء زمان يمكنها دفع الألف فيه فطلقت .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية