الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .

[46] وقد مكروا مكرهم وهو تكذيب الرسل.

وعند الله مكرهم أي: محفوظ عنده يجازيهم عليه.

وإن كان مكرهم أي: قريش ومتقدمي الكفار.

لتزول منه الجبال قراءة العامة: (لتزول) بكسر اللام الأولى وفتح [ ص: 534 ] الثانية، معناه: لم يكن مكرهم بمزيل الجبال، وقرأ الكسائي بفتح اللام الأولى وضم الثانية؛ أي: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ بمحل يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وروي أن الآية نزلت في نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه، قال النمرود: إن كان ما يقول إبراهيم حقا، فلا أنتهي حتى أعلم ما في السموات، فبنى صرحا عظيما ببابل، ورام الصعود إلى السماء ينظر إلى إله إبراهيم، واختلف في طول الصرح في السماء، فقيل: خمسة آلاف ذراع، وهو قول ابن عباس، ووهب، وقيل: فرسخان، وهو قول كعب، ومقاتل، ثم عمد إلى أربعة أفراخ من النسور، وأطعمها اللحم والخبز حتى كبرت، ثم قعد في تابوت ومعه غلام له، وقد حمل القوس والنشاب، وجعل لذلك التابوت بابا من أعلاه، وبابا من أسفله، ثم ربط التابوت بأرجل النسور، وعلق اللحم على عصا فوق التابوت، ثم خلى عن النسور فطرن طمعا في اللحم حتى أبعدن في الهواء، وحالت الريح بينها وبين الطيران، وقال لغلامه: افتح الباب الأعلى فانظر ففتح، فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغي! أين تريد؟! فأمر عند ذلك غلامه فرمى بسهم، فعاد إليه السهم متلطخا بالدم، فقال: كفيت شغل إله السماء، واختلف في ذلك السهم بأي شيء تلطخ؟ فقيل: من سمكة في السماء، من بحر معلق في الهواء، وقيل: أصاب طيرا من الطيور فتلطخ بدمه، ثم أمر نمرود غلامه أن يضرب العصا، وينكس اللحم، ففعل [ ص: 535 ] ذلك، فهبط النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت، وظنت أن حدث في السماء أمر، أو أن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ثم أرسل الله ريحا على صرح نمرود، فألقت رأسه في البحر، وانكفأت بيوتهم، وأخذت النمرود الرجفة، وتبلبلت ألسنة الناس حين سقط الصرح من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت: بابل؛ لتبلبل الألسن بها، وكان لسان الناس يومئذ بالسريانية.

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية