الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) من ذلك ما ( لو قضى بشاهد ويمين ) المدعي لمخالفته للحديث المشهور { البينة على من ادعى واليمين على من أنكر } ( أو بقصاص بتعيين الولي واحدا من أهل المحلة أو بصحة نكاح المتعة أو المؤقت أو بصحة بيع معتق البعض [ ص: 402 ] أو بسقوط الدين بمضي سنين أو بصحة ) طلاق ( الدور وبقاء النكاح ) كما مر في بابه ( وقضاء عبد وصبي مطلقا و ) قضاء ( كافر على مسلم أبدا ونحو ذلك ) كالتفريق بين الزوجين بشهادة المرضعة ( لا ينفذ ) في الكل وعد منها في الأشباه نيفا وأربعين ، وذكر في الدرر لما ينفذ سبع صور منها لو قضت المرأة بحد وقود [ ص: 403 ] وسيجيء متنا خلافا لما ذكره المصنف شرحا والأصل أن القضاء يصح في موضع الاختلاف لا الخلاف ، والفرق أن للأول دليلا لا الثاني وهل اختلاف الشافعي معتبر ؟ الأصح نعم صدر الشريعة .

التالي السابق


( قوله : ومن ذلك ما لو قضى بشاهد ويمين ) مقتضاه أنه لا ينفذ ، وإذا رفع إلى قاض آخر أبطله مع أنه قال في الفتح فلو قضى بشاهد ويمين لا ينفذ : ويتوقف على إمضاء قاض آخر ذكره في أقضية الجامع ، وفي بعض المواضع ينفذ مطلقا ا هـ وفي ط عن الهندية ذكر في كتاب الاستحسان أنه ينفذ على قول الإمام لا على قول الثاني ا هـ .

( قوله : لمخالفته إلخ ) الأولى ذكره عقب المسألة الثانية ليكون علة المسألتين .

( قوله : { البينة على من ادعى } ) كذا في البحر وفي الفتح على المدعي .

( قوله : أو بقصاص إلخ ) أي إذا قضى القاضي بالقصاص بيمين المدعي أن فلانا قتله ، وهناك لوث من عداوة ظاهرة كما هو قول مالك لا ينفذ لمخالفته السنة المشهورة ( { البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر } ) وتمامه في الفتح .

( قوله : أو بصحة نكاح المتعة أو المؤقت ) لعل الصواب لا المؤقت بلا النافية لما قدمناه قريبا عن الفتح من نفاذ القضاء بصحة المؤقت ونقل ط مثله عن الهندية ولم أر من ذكر عدم نفاذه .

( قوله : أو بصحة بيع معتق البعض ) [ ص: 402 ] في الهندية عن الظهيرية : رجل أعتق نصف عبده أو كان العبد بين اثنين أعتقه أحدهما ، وهو معسر وقضى القاضي للآخر في بيع نصيبه فباع ثم اختصما إلى قاض آخر لا يرى ذلك ذكر الخصاف أن القاضي يبطل البيع والقضاء وحكى شمس الأئمة الحلواني عن المشايخ أن ما ذكره الخصاف ليس فيه شيء عن أصحابنا ولولا قول الخصاف لقلنا إنه ينفذ قضاؤه ; لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه ا هـ ط .

( قوله : أو بسقوط الدين إلخ ) أي كما قال بعضهم : إذا لم يخاصم ثلاث سنين وهو في المصر بطل حقه فلا ينفذ القضاء به ; لأنه قول مهجور ، فإذا رفع إلى آخر أبطله وجعل المدعي على حقه كما في الخانية .

( قوله : أو بصحة طلاق الدور وبقاء النكاح ) أي صحة التعليق في طلاق الدور لا صحة نفس الطلاق ، فإذا قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا ، فإن القبلية تلغو وتطلق ثلاثا ; لأن صحة تعليق الثلاث تؤدي إلى إبطاله فلو قضى قاض بصحة التعليق وبطلان الطلاق وإبقاء النكاح لا ينفذ .

( قوله : في بابه ) أي في أول كتاب الطلاق وأوضحنا الكلام عليه هناك فافهم .

( قوله : وقضاء عبد ) استشكل بأن العبد يصلح شاهدا عند مالك وشريح فيصلح قاضيا فإذا اتصل به إمضاء قاض آخر ينبغي أن ينفذ كما في المحدود في القذف ط عن الهندية .

( قوله : مطلقا ) أي سواء قضيا على حر أو عبد بالغ أو صبي مسلم أو كافر ا هـ ح .

( قوله : أبدا ) محل ذكره بعد قوله لا ينفذ كما في عبارة الغرر .

( قوله : وعد منها في الأشباه نيفا وأربعين ) تقدم الكلام عليها آخر كتاب الوقف فراجعه .

( قوله : وذكر في الدرر لما ينفذ سبع صور ) حيث قال فإن أمضى قضاء من حد في قذف وتاب أو قضاء الأعمى أو قضاء امرأة بحد أو قود أو قضاء قاض لامرأته أو قاض بشهادة المحدود التائب وبشهادة الأعمى وقاض لامرأة بشهادة زوجها وقاض بحد أو قود بشهادتها نفذ حتى لو أبطله ثان نفذه ثالث ; لأن الاجتهاد الأول كالثاني ، والأول تأبد باتصال القضاء فلا ينقض باجتهاد لم يتأبد به ; لأنه دونه ا هـ .

قلت : وفي هذه العبارة من الخلفاء ما لا يخفى ; لأن القضاء في هذه السبع لا ينفذ ما لم يمضه قاض آخر ; لأن المجتهد فيه نفس القضاء لا المقضي به فهو القسم الثالث من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها عند قول الشارح لو مجتهدا فيه فقول الدرر نفذ أي إمضاء القاضي الأول المحدود في قذف إلخ ، وقوله : حتى لو أبطله ثان إلخ صوابه : حتى لو أبطله ثالث لم يبطل فتنبه لذلك فإني لم أر من نبه عليه ، لكن ما ذكرنا من أنه لا ينفذ قضاء الأول موافق لما في الزيلعي ، وهو ظاهر في الأربعة الأول دون الثلاثة الأخيرة ، بل هو نافذ فيها فيصح أن يقال فيها حتى لو أبطله ثان نفذه ثالث أي نفذ الثالث قضاء الأول ; لأنه وقع نافذا ، فلم يصح إبطال الثاني له وهذا هو الموافق لما قدمناه في بيان الأقسام الثلاثة ، ويوضحه ما في الخانية والبزازية وغيرها إذا كان نفس القضاء مختلفا فيه ورفع إلى قاض آخر لا يراه له إبطاله ، وإذا رفع إلى من يراه ونفذه ثم رفع إلى ثالث لا يرى ذلك ليس له إبطاله ، فلو كان القاضي هو المحدود في قذف فرفع حكمه إلى قاض آخر لا يرى جوازه أبطله الثاني ، وكذا لو قضى لامرأته بشهادة رجلين لا يجوز ، فلو رفع إلى آخر لا يراه جاز له إبطاله ; لأنه كما لا يصلح شاهدا لامرأته لا يصلح قاضيا لها ، فإن رفع القضاء الأول إلى من يرى جوازه فأمضاه ، ثم رفع إمضاء الثاني إلى الثالث لا يرى جوازه أمضى الثالث إمضاء الثاني ، ولا يبطله .

وكذا قضاء الأعمى ، وكذا قضاء المرأة في حد أو قصاص ، وفيها أيضا لو قضى بشهادة محدود في قذف ، وهو يراه فرفع إلى من لا يراه لا يبطله ، وكذا لو قضى بشهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص ا هـ [ ص: 403 ] والحاصل : أن الخلاف إذا كان بعد القضاء بأن كان المجتهد فيه نفس القضاء الأول لا ينفذ ما لم ينفذه قاض ثان فيكون القضاء الثاني هو النافذ ، فإذا رفع إلى ثالث وجب عليه تنفيذه ولا يصح إبطاله إياه ، بخلاف ما إذا كان المجتهد فيه نفس المقضي به قبل القضاء ، فإن القضاء به نافذ بدون تنفيذ ، وإذا رفع إلى آخر نفذه ، وإن لم يكن مذهبه وهذا ما مر في قوله : وإذا رفع إليه حكم قاض آخر نفذه ، وبخلاف ما خالف الدليل فإنه لا ينفذ وإن نفذ ألف قاض كما قاله الزيلعي وهذا ما مر في قوله إلا ما خالف كتابا أو سنة مشهورة أو إجماعا وبه تمت الأقسام الثلاثة فافهم واغتنم تحرير هذا المقام .

( وقوله : وسيجيء متنا ) أي في باب كتاب القاضي إلى القاضي ح .

( قوله : خلافا لما ذكره المصنف شرحا ) حيث عد هذه الصورة من جملة ما لا ينفذ لمخالفته الدليل لكن نقل ط عن الهندية حكاية قولين .

( قوله : والفرق إلخ ) هذه تفرقة عرفية ، وإلا فقد قال تعالى { : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ولا دليل لهم والمراد أنه خلاف لا دليل له بالنظر للمخالف ، وإلا فالقائل اعتمد دليلا ثم مسائل الخلاف التي لا ينفذها هي ما تقدمت في قوله إلا ما خالف كتابا إلخ ط .

( قوله : الأصح نعم ) وقيل إنما يعتبر الخلاف في الصدر الأول قال في الفتح : وعندي أن هذا لا يعول عليه ، فإن صح أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي مجتهدون فلا شك في كون المحل اجتهاديا وإلا فلا ولا شك أنهم أهل اجتهاد ورفعة ، ويؤيده ما في الذخيرة خالع الأب الصغيرة على صداقها ورآه خيرا لها صح عند مالك وبرئ الزوج عنه ، فلو قضى به قاض نفذ وسئل شيخ الإسلام عطاء بن حمزة عن أبي الصغيرة زوجها من صغير ، وقبل أبوه وكبر الصغيران وبينهما غيبة منقطعة ، وقد كان التزوج بشهادة الفسقة هل يجوز للقاضي أن يبعث إلى شافعي المذهب ليبطل هذا النكاح بسبب أنه كان بشهادة الفسقة قال نعم ا هـ ط .

قلت : والمسألة الثانية لم أرها في الفتح بل ذكر مسألة غيرها وذكر عبارته في البحر .




الخدمات العلمية