الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وينفذ القضاء بشهادة الزور ظاهرا وباطنا ) حيث كان المحل قابلا والقاضي غير عالم بزورهم ( في العقود ) كبيع ونكاح ( والفسوخ ) كإقالة وطلاق [ ص: 406 ] لقول علي رضي الله عنه لتلك المرأة شاهداك زوجاك وقالا وزفر والثلاثة ظاهرا فقط وعليه الفتوى شرنبلالية عن البرهان ( بخلاف الأملاك المرسلة ) أي المطلقة عن ذكر سبب الملك فظاهرا فقط إجماعا لتزاحم الأسباب حتى لو ذكرا سببا معينا فعلى الخلاف إن كان سببا يمكن إنشاؤه وإلا لا ينفذ اتفاقا كالإرث ، وكما لو كانت المرأة محرمة بنحو عدة أو ردة وكما لو علم القاضي بكذب الشهود حيث لا ينفذ أصلا [ ص: 407 ] كالقضاء باليمين الكاذبة زيلعي ونكاح الفتح .

التالي السابق


مطلب في القضاء بشهادة الزور

. ( قوله : وينفذ القضاء بشهادة الزور ) قيد بها ; لأنه لو ظهر الشهود عبيدا أو كفارا أو محدودين في قذف لم ينفذ إجماعا ; لأنها ليست بحجة أصلا بخلاف الفساق على ما عرف ، ولإمكان الوقوف عليهم فلم تكن شهادتهم حجة بحر ثم قال : وفي القنية ادعى عليه جارية أنه اشتراها بكذا فأنكر فحلف فنكل فقضى عليه بالنكول ، تحل الجارية للمدعي ديانة وقضاء كما في شهادة الزور ا هـ ، فعلى هذا القضاء بالنكول كالقضاء بشهادة الزور ا هـ .

( قوله : ظاهرا وباطنا ) المراد بالنفاذ ظاهرا أن يسلم القاضي المرأة إلى الرجل ، ويقول سلمي نفسك إليه فإنه زوجك ويقضي بالنفقة والقسم وبالنفاذ باطنا أن يحل له وطؤها ويحل لها التمكين فيما بينهما وبين الله تعالى ط .

( قوله : حيث كان المحل قابلا إلخ ) شرطان للنفاذ ، ويأتي في كلام الشارح محترزهما .

( قوله : في العقود ) أطلقها فشمل عقود التبرعات ، قالوا : وفي الهبة والصدقة روايتان ، وكذا في البيع بأقل من قيمته في رواية لا ينفذ باطنا ; لأن القاضي لا يملك إنشاء التبرعات في ملك الغير ، والبيع بأقل تبرع من وجه بحر .

( قوله : كبيع ونكاح ) فلو قضى ببيع أمة بشهادة زور حل للمنكر وطؤها ، وكذا لو ادعى على امرأة نكاحها وهي جاحدة أو بالعكس ، وقضى بالنكاح كذلك حل للمدعي الوطء ولها التمكين عنده بحر .

( قوله : والفسوخ ) أراد بها ما يرفع حكم العقد فيشمل الطلاق ومن فروعها : ادعت أنه طلقها ثلاثا وهو ينكر وأقامت بينة زور فقضى بالفرقة فتزوجت بآخر بعد العدة حل [ ص: 406 ] له وطؤها عند الله تعالى وإن علم بحقيقة الحال ، وحل لأحد الشاهدين أن يتزوجها ويطأها ولا يحل للأول وطؤها ولا يحل لها تمكينه بحر .

( قوله : لقول علي إلخ ) قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل : بلغنا عن علي كرم الله وجهه أن رجلا أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها فأنكرت فقضى له بالمرأة فقالت إنه يتزوجني فأما إذا قضيت علي فجدد نكاحي فقال : لا أجدد نكاحك الشاهدان زوجاك قال : وبهذا نأخذ فلو لم ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها ورغبة الزوج فيها وقد كان في ذلك تحصينها من الزنا وصيانة مائه ا هـ من رسالة العلامة قاسم المؤلفة في هذه المسألة ، وقوله : وبهذا نأخذ دليلا لما حكاه الطحاوي من أن قول محمد كقول أبي حنيفة .

( قوله : ظاهرا فقط ) أي ينفذ ظاهرا لا باطنا ; لأن شهادة الزور حجة ظاهرا لا باطنا فينفذ القضاء كذلك ; لأن القضاء ينفذ بقدر الحجة درر .

( قوله : وعليه الفتوى ) نقله أيضا في القهستاني عن الحقائق ، وفي البحر عن أبي الليث لكن قال : وفي الفتح من النكاح ، وقول أبي حنيفة هو الوجه ا هـ .

قلت : وقد حقق العلامة قاسم في رسالته قول الإمام بما لا مزيد عليه ثم أورد عليه إشكالا ، وأجاب عنه وعليه المتون .

( قوله : بخلاف الأملاك المرسلة ) وهي التي لم يذكر لها سبب معين فإنهم أجمعوا أنه ينفذ فيها ظاهرا لا باطنا ; لأن الملك لا بد له من سبب ، وليس بعض الأسباب بأولى من البعض لتزاحمها فلا يمكن إثبات السبب سابقا على القضاء بطريق الاقتضاء ، وفي النكاح والشراء يتقدم النكاح والشراء تصحيحا للقضاء ، درر قال في البحر : ولو حذف الأملاك لكان أولى ليشمل ما إذا شهدوا بزور بدين لم يبينوا سببه فإنه لا ينفذ ، وفي حكم المرسلة الإرث كما يأتي ، وظاهر اقتصاره عليها أنه لا ينفذ باطنا في النسب إجماعا كما في المحيط عن بعض المشايخ ، ونص الخصاف على أنه ينفذ عند أبي حنيفة ففيه روايتان عنه ، والشهادة بعتق الأمة كالشهادة بطلاق المرأة ، وينبغي أن تكون بالوقف كالعتق ولم أر نقلا في الشهادة بأن الوقف ملك أو بتزوير شرائط الوقف أو أن الواقف أخرج فلانا وأدخل فلانا زورا إذا اتصل به القضاء ، وظاهر الهداية أن ما عدا الأملاك المرسلة ينفذ باطنا وإذا قلنا بأن الوقف من قبيل الإسقاط فهو كالطلاق والعتاق ا هـ ملخصا .

( قوله : فظاهرا فقط إجماعا ) فلا يحل للمقضي له الوطء والأكل واللبس وحل للمقضي عليه لكن يفعل ذلك سرا وإلا فسقه الناس بحر .

( قوله : إن كان سببا يمكن إنشاؤه ) كالبيع والنكاح والإجارة .

( قوله : كالإرث ) فإنه وإن كان ملكا بسبب لكنه لا يمكن إنشاؤه فلا ينفذ القضاء بالشهود زورا فيه باطنا اتفاقا بحر . قال : وسيأتي الاختلاف في باب اختلاف الشاهدين في أنه مطلق أو بسبب والمشهود الأول واختار في الكنز الثاني .

( قوله : وكما لو كانت المرأة محرمة إلخ ) هذا محترز قوله : حيث كان المحل قابلا ا هـ ح فإذا ادعى أنها زوجته ، وأثبت ذلك بشهادة الزور ، وهو يعلم أنها محرمة عليه بكونها منكوحة الغير أو معتدته أو بكونها مرتدة ، فإنه لا ينفذ باطنا اتفاقا ; لأنه وإن كان الملك بسبب لكن لا يمكن إنشاؤه ، وأما ظاهرا فلا شك في نفاذه كسائر الأحكام بشهادة الزور في غير العقود والفسوخ ، وليس المراد بنفاذه ظاهرا حل الوطء له وحل تمكينها منه بل أمر القاضي لها به ، أما الحل فهو فرع نفاذه باطنا وبما قررناه ظهر أنه كالإرث فافهم .

( قوله : وكما لو علم القاضي إلخ ) محترز قوله والقاضي غير عالم بزورهم ، والظاهر أنه هنا لا ينفذ ظاهرا كما [ ص: 407 ] لا ينفذ باطنا لعدم شرط القضاء ، وهو الشهادة الصادقة في زعم القاضي تأمل .

( قوله : كالقضاء باليمين الكاذبة ) محترز قول المتن : بشهادة قالوا لو ادعت أن زوجها أبانها بثلاث فأنكر فحلفه القاضي فحلف ، والمرأة تعلم أن الأمر كما قالت لا يسعها المقام معه ، ولا أن تأخذ من ميراثه شيئا وهذا لا يشكل إذا كان ثلاثا لبطلان المحيلة للإنشاء قبل زوج آخر وفيما دون الثلاث مشكل ; لأنه يقبل الإنشاء وأجيب بأنه إنما يثبت إذ قضى القاضي بالنكاح وهنا لم يقض به لاعترافهما به ، وإنما ادعت الفرقة زيلعي ، وفي الخلاصة ولا يحل وطؤها إجماعا بحر .

قلت : والظاهر أن عدم النفاذ هنا في الباطن فقط تأمل .

مطلب مهم المقضي له أو عليه يتبع رأي القاضي وإن خالف رأيه [ تنبيه ]

أشار المصنف إلى أن قضاء القاضي يحل ما كان حراما في معتقد المقضي له ولذا قال في الولوالجية : ولو قال لها أنت طالق ألبتة فخاصمها إلى قاض يراها رجعية بعد الدخول ، فقضى بكونها رجعية والزوج يرى أنها بائنة أو ثلاث ، فإنه يتبع رأي القاضي عند محمد ، فيحل له المقام معها وقيل إنه قول أبي حنيفة ، وعلى قول أبي يوسف لا يحل وإن رفع إلى قاض آخر لا ينقضه ، وإن كان خلاف رأيه ، وهذا إذا قضى له فإن قضى عليه بالبينونة أو الثلاث والزوج لا يراه ، يتبع رأي القاضي إجماعا ، وهذا كله إذا كان الزوج له رأي واجتهاد فلو عاميا اتبع رأي القاضي سواء قضى له أو عليه هذا إذا قضى أما إذا أفتى له فهو على الاختلاف السابق ; لأن قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده ا هـ بحر .

قلت : وقوله : فلو عاميا المراد به غير المجتهد بدليل المقابلة فيشمل العالم والجاهل تأمل قال في الفتح : والوجه عندي قول محمد ; لأن اتصال القضاء بالاجتهاد الكائن للقاضي يرجحه على اجتهاد الزوج ، والأخذ بالراجح متعين وكونه لا يراه حلالا إنما يمنع من القربان قبل القضاء أما بعده وبعد نفاذه باطنا فلا ا هـ .




الخدمات العلمية