الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
تنبيه عقد ابن حمدان بابا في " آداب المفتي والمستفتي " لمعرفة عيوب التآليف ، وغير ذلك ، ليعلم المفتي كيف يتصرف في المنقول ، وما مراد قائله ومؤلفه فيصح [ ص: 267 ] نقله للمذهب ، وعزوه إلى الإمام رضي الله عنه ، أو بعض أصحابه ، فأحببت أن أذكره هنا لأن كتابنا هذا مشتمل على ما قاله ، فقال : اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي : إهمال نقل الألفاظ بأعيانها ، والاكتفاء بنقل المعاني ، مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بلفظه ، وربما كانت بقية الأسباب مفرعة عنه ; لأن القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه ، أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي : يتوقف على انتفاء الإضمار والتخصيص ، والنسخ ، والتقديم ، والتأخير ، والاشتراك ، والتجوز ، والتقدير ، والنقل ، والمعارض العقلي ، فكل نقل لا يؤمن معه حصول بعض الأسباب ، ولا نقطع بانتفائها نحن ولا الناقل ولا نظن عدمها ، ولا قرينة تنفيها ، ولا نجزم فيه بمراد المتكلم ، بل ربما ظنناه ، أو توهمناه ، ولو نقل لفظه بعينه ، وقرائنه ، وتاريخه ، وأسبابه : لانتقى هذا المحذور أو أكثره ، وهذا من حيث الإجمال ، وإنما يحصل الظن بنقل المتحري فيعذر تارة لدعوى الحاجة إلى التصرف لأسباب ظاهرة ويكفي ذلك في الأمور الظنية ، وأكثر المسائل الفروعية ، وأما التفصيل : فهو أنه لما ظهر التظاهر بمذاهب الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم ، والتناصر لها من علماء الأمة ، وصار لكل مذهب منها أحزاب وأنصار ، وصار دأب كل فريق نصر قول صاحبهم ، وقد لا يكون أحدهم قد اطلع على مأخذ إمامه في ذلك الحكم ، فتارة يثبته بما أثبته به إمامه ، ولا يعلم بالموافقة ، وتارة يثبته بغيره ، ولا يشعر بالمخالفة .

ومحذور ذلك : ما يستجيزه فاعل ذلك من تخريج أقاويل إمامه من مسألة [ ص: 268 ] إلى مسألة أخرى ، والتفريع على ما اعتقده مذهبا له بهذا التعليل ، وهو لهذا الحكم غير دليل ، ونسبة القولين إليه بتخريجه ، وربما حمل كلام الإمام فيما خالف نظيره على ما يوافقه ، استمرارا لقاعدة تعليله وسعيا في تصحيح تأويله ، وصار كل منهم ينقل عن الإمام ما سمعه ، أو بلغه عنه ، من غير ذكر سبب ولا تاريخ ، فإن العلم بذلك قرينة في إفادة مراده من ذلك اللفظ ، كما سبق ، فيكثر لذلك الخبط ; لأن الآتي بعده يجد عن الإمام اختلاف أقوال ، واختلال أحوال ، فيتعذر عليه نسبة أحدهما إليه ، على أنه مذهب له ، يجب على مقلده المصير إليه ، دون بقية أقاويله ، إن كان الناظر مجتهدا .

وأما إن كان مقلدا : فغرضه معرفة مذهب إمامه بالنقل عنه ، ولا يحصل غرضه من جهة نفسه ; لأنه لا يحسن الجمع ، ولا يعلم التاريخ ، لعدم ذكره ، ولا الترجيح عند التعارض بينهما لتعذره منه ، وهذا المحذور إنما لزم من الإخلال بما ذكرنا ، فيكون محذورا ، ولقد استمر كثير من المصنفين ، والحاكين على قولهم " مذهب فلان كذا " و " مذهب فلان كذا " ، فإن أرادوا بذلك : أنه نقل عنه فقط ، فلم يفتون به في وقت ما ، على أنه مذهب الإمام ؟ وإن أرادوا : أنه المعول عليه عنده ، ويمتنع المصير إلى غيره للمقلد ، فلا يخلو حينئذ : إما أن يكون التاريخ معلوما ، أو مجهولا ، [ ص: 269 ] فإن كان معلوما ، فلا يخلوا : إما أن يكون مذهب إمامه : أن القول الأخير ينسخ الأول إذا تناقضا ، كالأخبار ، أو ليس مذهبه كذلك ، بل يرى عدم نسخ الأول بالثاني ، أو لم ينقل عنه شيء من ذلك ، فإن كان مذهبه اعتقاد النسخ : فالأخير مذهبه ، فلا تجوز الفتوى بالأول للمقلد ، ولا التخريج منه ، ولا النقض به ، وإن كان مذهبه : أنه لا ينسخ الأول بالثاني عند التنافي ، فإما أن يكون الإمام يرى جواز الأخذ بأيهما شاء المقلد إذا أفتاه المفتي ، أو يكون مذهبه الوقف ، أو شيئا آخر ، فإن كان مذهبه القول بالتخيير : كان الحكم واحدا لا يتعدد ، وهو خلاف الفرض .

وإن كان ممن يرى الوقف : تعطل الحكم حينئذ ، ولا يكون له فيها قول يعمل عليه سوى الامتناع من العمل بشيء من أقواله ، وإن لم ينقل عن إمامه شيء من ذلك : فهو لا يعرف حكم إمامه فيها ، فيكون شبيها بالقول بالوقف في أنه يمتنع من العمل بشيء منها ، هذا كله إن علم التاريخ ، وأما إن جهل : فإما أن يمكن الجمع من القولين ، باختلاف حالين أو محلين ، أو لا يمكن ، فإن أمكن : فإما أن يكون مذهب إمامه جواز الجمع حينئذ كما في الآثار ووجوبه ، أو التخيير ، أو الوقف ، أو لم ينقل عنه شيء من ذلك ، فإن كان الأول ، أو الثاني : فليس له حينئذ إلا قول واحد وهو ما اجتمع منهما ، فلا يحل حينئذ الفتيا بأحدهما على ظاهره ، على وجه لا يمكن الجمع ، [ ص: 270 ] وإن كان الثالث : فمذهبه أحدهما بلا ترجيح ، وهو بعيد ، سيما مع تعذر تعادل الأمارات ، وإن كان الرابع ، أو الخامس : فلا عمل إذا ، وأما إن لم يمكن الجمع مع الجهل بالتاريخ : فإما أن يعتقد نسخ الأول بالثاني أو لا يعتقد ، فإن كان يعتقد ذلك : وجب الامتناع من الأخذ بأحدهما ; لأنا لا نعلم أيهما هو المنسوخ عنده ، وإن لم يعتقد النسخ : فإما التخيير .

وإما الوقف ، أو غيرهما ، والحكم في الكل سبق ، ومع هذا كله : فإنه يحتاج إلى استحضار ما اطلع عليه من نصوص إمامه عند حكاية بعضها مذهبا له ، ثم لا يخلو : إما أن يكون إمامه يعتقد وجوب تجديد الاجتهاد في ذلك أو لا ، فإن اعتقده : وجب عليه تجديده في كل حين أراد حكاية مذهبه ، وهذا يتعذر في مقدرة البشر إن شاء الله ; لأن ذلك يستدعي الإحاطة بما روي عن الإمام في تلك المسألة على جهته في كل وقت يسأل ، ومن لم يصنف كتبا في المذهب ، بل أخذ أكثر مذهبه من قوله وفتاويه ، كيف يمكن حصر ذلك عنه ؟ هذا بعيد عادة ، [ ص: 271 ] وإن لم يكن مذهب إمامه وجوب تجديد الاجتهاد عند نسبة بعضها إليه مذهبا له : ينظر ، فإن قيل : ربما لا يكون مذهب أحد القول بشيء من ذلك ، فضلا عن الإمام ، قلنا : نحن لم نجزم بحكم فيها ، بل رددناه ، وقلنا : إن كان كذا : لزم منه كذا ، ويكفي في إيقاف إقدام هؤلاء تكليفهم نقل هذه الأشياء عن الإمام ، ومع ذلك فكثير من هذه الأقسام قد ذهب إليه كثير من الأئمة .

وليس هذا موضع بيانه ، وإنما يقابلون هذا التحقيق بكثرة نقل الروايات ، والأوجه ، والاحتمالات ، والتهجم على التخريج والتفريع ، حتى لقد صار هذا عندهم عادة وفضيلة ، فمن لم يأت بذلك لم يكن عندهم بمنزلة ، فالتزموا للحمية نقل ما لا يجوز نقله ، لما علمته آنفا ، ثم لقد عم أكثرهم بل كلهم نقل أقاويل يجب الإعراض عنها في نظرهم ، بناء على كونه قولا ثالثا وهو باطل عندهم ، أو لأنها مرسلة في سندها عن قائلها ، وخرجوا ما يكون بمنزلة قول ثالث ، بناء على ما يظهر لهم من الدليل ، فما هؤلاء بمقلدين حينئذ ، وقد يحكي أحدهم في كتابه أشياء ، يتوهم المسترشد : أنها إما مأخوذة من نصوص الإمام ، أو مما اتفق الأصحاب على نسبتها إلى الإمام مذهبا له ، ولا يذكر الحاكي له ما يدل على ذلك ، ولا أنه اختيار له ، ولعله يكون قد استنبطه أو رآه وجها لبعض الأصحاب أو احتمالا ، فهذا أشبه التدليس ، فإن قصده فشبه المين ، وإن وقع سهوا أو جهلا ، فهو أعلى مراتب البلادة والشين .

كما قيل : [ ص: 272 ]

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وقد يحكون في كتبهم ما لا يعتقدون صحته ، ولا يجوز عندهم العمل به ، ويرهقهم إلى ذلك : تكثير الأقاويل ; لأن من يحكي عن الإمام أقوالا متناقضة ، أو يخرج خلاف المنقول عن الإمام ، فإنه لا يعتقد الجمع بينهما على وجه الجمع ، بل إما التخيير ، أو الوقف ، أو البدل ، أو الجمع بينهما على وجه يلزم عنه قول واحد باعتبار حالين ، أو محلين ، وكل واحد من هذه الأقسام : حكمه خلاف هذه الحكاية عند تعريها عن قرينة مفيدة لذلك ، والغرض كذلك ، وقد يشرح أحدهم كتابا ، ويجعل ما يقوله صاحب الكتاب المشروح رواية ، أو وجها ، أو اختيارا لصاحب الكتاب ، ولم يكن ذكره صاحب الكتاب عن نفسه ، أو أنه ظاهر المذهب ، من غير أن يبين سبب شيء من ذلك ، وهذا إجمال ، أو إهمال ، وقد يقول أحدهم " الصحيح من المذهب " أو " ظاهر المذهب كذا " ولا يقول " وعندي " ويقول غيره خلاف ذلك ، فلمن يقلد العامي إذا ؟ فإن كلا منهم يعمل بما يرى ، فالتقييد إذا ليس للإمام ، بل للأصحاب في أن هذا مذهب الإمام ، ثم إن أكثر المصنفين والحاكين قد يفهمون معنى ، ويعبرون عنه بلفظ يتوهمون أنه واف بالغرض ، وليس كذلك ، فإذا نظر أحد فيه وفي قول من أتى بلفظ واف بالغرض ربما يتوهم أنها مسألة خلاف ; لأن بعضهم قد يفهم من عبارة من يثق به معنى قد يكون على وفق مراد المصنف للفظ ، وقد لا يكون ، فيحصر ذلك المعنى في لفظ وجيز .

[ ص: 273 ] فبالضرورة يصير مفهوم كل واحد في اللفظين من جهة التنبيه وغيره غير مفهوم للآخر ، وقد يذكر أحدهم في مسألة إجماعا ، بناء على عدم علمه بقول يخالف ما يعلمه ، ومن يتتبع حكاية الإجماعات ممن يحكيها ، وطالبه بمستنداتها : علم صحة ما ادعيناه ، وربما أتى بعض الناس بلفظ يشبه قول من قبله ، ولم يكن أخذه منه ، فيظن : أنه قد أخذه منه ، فيحمل كلامه على محمل كلام من قبله ، فإن رئي مغايرا له : نسب إلى السهو أو الجهل ، أو تعمد الكذب ، إن كان ، أو يكون قد أخذ منه ، أو أتى بلفظ يغاير مدلول كلام من أخذ منه ، فيظن أنه لم يأخذ منه ، فيحمل كلامه على غير محمل كلام من أخذ منه ، فيجعل الخلاف فيما لا خلاف فيه ، أو الوفاق فيما فيه خلاف ، وقد يقصد أحدهم حكاية معنى ألفاظ الغير ، وربما كانوا ممن لا يرى جواز نقل المعنى دون اللفظ ، وقد يكون فاعل ذلك ممن يعلل المنع في صورة الفرض بما يفضي إليه من التحريف غالبا ، وهذا المعنى موجود في ألفاظ أكثر الأئمة ، فمن عرف حقيقة هذه الأسباب : ربما رأى ترك التصنيف أولى ، إن لم يحترز عنها ، لما يلزم من هذه المحاذير وغيرها غالبا ، فإن قيل : يرد هذا فعل القدماء وإلى الآن من غير نكير ، وهو دليل على الجواز ، وإلا امتنع على الأئمة ترك الإنكار إذن ، { وينهون عن المنكر } ونحوها من نصوص الكتاب والسنة .

قلت : الأولون لم يفعلوا شيئا مما عنيناه ، [ ص: 274 ] فإن الصحابة لم ينقل عن واحد منهم تأليف ، فضلا عن أن يكون على هذه الصفة ، وفعلهم غير ملزم لمن لا يعتقده حجة ، بل لا يكون ملزما لبعض العوام عند من لا يرى أن العامي ملزوم بالتزامه مذهب إمام معين ، فإن قيل : إنما فعلوا ذلك ليحفظوا الشريعة من الإغفال والإهمال ، قلنا : قد كان أحسن من هذا في حفظها أن يدونوا الوقائع والألفاظ النبوية وفتاوى الصحابة ، ومن بعدهم على جهاتها وصفاتها ، مع ذكر أسبابها كما ذكرنا سابقا حتى يسهل على المجتهد معرفة مراد كل إنسان بحسبه ، فيقلده على بيان وإيضاح ، [ ص: 275 ] وإنما عنينا ما وقع في التآليف من هذه المحاذير ، لا مطلق التأليف ، وكيف يعاب مطلقا ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { قيدوا العلم بالكتابة } فلما لم يميزوا في الغالب ما نقلوه مما خرجوه ، ولا ما عللوه مما أهملوه ، وغير ذلك مما سبق بأن الفرق بين ما عبناه وبين ما صنفناه ، وأكثر هذه الأمور المذكورة يمكن أن أذكرها من ذكر المذهب مسألة مسألة ، لكنه يطول هنا ، وإذا علمت عقد اعتذارنا ، وخيرة اختيارنا ، فنقول : الأحكام المستفادة من مذهبنا وغيره من اللفظ : أقسام كثيرة ، منها : أن يكون لفظ الإمام رضي الله عنه بعينه ، أو إيمائه ، أو تعليله ، أو سياق كلامه ومنها : أن يكون مستنبطا من لفظه : إما اجتهادا من الأصحاب ، أو بعضهم ، ومنها : ما قيل " إنه الصحيح من المذهب " .

ومنها : ما قيل " إنه ظاهر المذهب " ومنها ما قيل " إنه المشهور من المذهب " ، ومنها : ما قيل " نص عليه " يعني الإمام أحمد رضي الله عنه ، ولم يتعين لفظه ، ومنها : ما قيل " إنه ظاهر كلام الإمام " ولم يعين قائله لفظ الإمام رضي الله عنه ومنها : ما قيل " ويحتمل كذا " ولم يذكر أنه يريد بذلك كلام الإمام رضي الله عنه ، أو غيره ، ومنها : ما ذكر من الأحكام سردا ، ولم يوصف بشيء أصلا ، فيظن سامعه : أنه مذهب الإمام رضي الله عنه ، وربما كان بعض الأقسام المذكورة آنفا ، [ ص: 276 ] ومنها : ما قيل " إنه مشكوك فيه " ، ومنها : ما قيل " إنه توقف فيه الإمام أحمد رضي الله عنه ولم يذكر لفظه فيه " ، ومنها : ما قال فيه بعضهم " اختياري " ولم يذكر له أصلا من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه أو غيره ، ومنها : ما قيل " إنه خرج على رواية كذا " أو " على قول كذا " ولم يذكر لفظ الإمام رضي الله عنه فيه ، ولا تعليله ، ومنها : أن يكون مذهبا لغير الإمام رضي الله عنه ولم يعين ربه ، ومنها : أن يكون لم يقل به أحد ، لكن القول به لا يكون خرقا لإجماعهم ، ومنها : أن يكون بحيث يصح تخريجه على وفق مذاهبهم ، لكنهم لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات . انتهى كلام ابن حمدان .

وفي بعضه شيء وقع هو فيه في تصانيفه ، ولعله بعد تصنيف هذا الكتاب ، ووقع للمصنف وغيره حكاية هذه الألفاظ الأخيرة في كتبهم ، وتقدم التنبيه على ما هو أكثر من ذلك وأعظم فائدة في الخطبة في الكلام على مصطلح المصنف في كتابه هذا ، مع أني لم أطلع على كتابه وقت الخطبة ، والله أعلم ، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية