الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك .

" وعن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا وعن أبي مسعود البدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء فيقول : " اللهم إني أسألك الصحة والعافية وحسن الخلق .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كرم المؤمن دينه وحسبه حسن خلقه ومروءته عقله .

وعن أسامة بن شريك قال : شهدت الأعاريب يسألون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : ما خير ما أعطى العبد ؟ قال : خلق حسن .

وقال صلى الله عليه وسلم - : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم - : ثلاث من لم تكن فيه أو واحدة منهن ، فلا تعتدوا بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله أو حلم يكف به السفيه أو خلق يعيش به بين الناس .

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في افتتاح الصلاة : " اللهم اهدني لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت .

وقال أنس بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ قال " إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة " كما تذيب الشمس الجليد .

وقال صلى الله عليه وسلم - : من سعادة المرء حسن الخلق .

وقال صلى الله عليه وسلم - : " اليمن حسن الخلق .

وقال صلى الله عليه وسلم - : لأبي ذر يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق .

وعن أنس قال : قالت أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما هي تكون ؟ قال : " لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا ، يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة .

وقال صلى الله عليه وسلم - : إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه وكرم مرتبته .

وفي رواية درجة الظمآن في الهواجر وقال عبد الرحمن بن سمرة كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت البارحة عجبا ، رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب ، فجاء حسن خلقه فأدخله على الله تعالى .

وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم - : إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، وشرف المنازل ، وإنه لضعيف في العبادة .

وروي أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر رضي الله عنه تبادرن الحجاب فدخل ، عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر رضي الله عنه مما : تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ? فقال - - : عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال ، عمر أنت كنت أحق أن يهبنك يا رسول الله ، ثم أقبل عليهن عمر فقال يا عدوات أنفسهن ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن -؟ : نعم ، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم - : إيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك وقال صلى الله عليه وسلم - : " سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة تفوح " وقال صلى الله عليه وسلم - : " إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم .

"
الآثار : قال ابن لقمان الحكيم لأبيه : يا أبت ، أي الخصال من الإنسان خير ? قال : الدين ، قال : فإذا كانت اثنتين ? قال : الدين والمال قال : فإذا كانت ثلاثا ? قال : الدين والمال والحياء ، قال : فإذا كانت أربعا ? قال : الدين والمال والحياء وحسن الخلق ، قال : فإذا كانت خمسا ? قال : الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال : فإذا كانت ستا ? قال : يا بني ، إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقي ولله ولي ومن الشيطان بري وقال الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال أنس بن مالك إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة ، وهو غير عابد ، ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق وقال وهب بن منبه مثل السيئ الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق وصحب ابن المبارك رجلا سيئ الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه ، فلما فارقه بكى ، فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمة له : فارقته وخلقه معه لم يفارقه وقال الجنيد أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق ، وهو كمال الإيمان وقال الكناني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر رضي الله عنه : خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات وحسن ، الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات . وسئل ابن عباس ما الكرم فقال هو ؟ : ما بين الله في كتابه العزيز : إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل فما : الحسب ? قال : أحسنكم خلقا أفضلكم حسبا وقال : لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق وقال عطاء : ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ، ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم فأقرب - الخلق إلى الله عز وجل السالكون آثاره بحسن الخلق .

التالي السابق


(وعن جرير بن عبد الله) البجلي رضي الله عنه (قال: قال -صلى الله عليه وسلم- : " إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك") وكان جرير من أحسن الناس خلقا ، قد أعطي شطر الحسن في جسمه ، قال العراقي: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ، وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب ، وفيه ضعف (وعن البراء بن عازب) رضي الله عنهما (قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وجها

[ ص: 322 ] وأحسنهم خلقا)
قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بإسناد حسن اهـ .

قلت: وقد تقدم في أخلاق النبوة من رواية البيهقي عنه بزيادة: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ، وروى مسلم وأبو داود من حديث أنس: " كان أحسن خلقا " وفي الصحيحين من حديث أنس: " كان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس " وعند البيهقي في الدلائل من حديث أبي هريرة : " كان أحسن الناس صفة وأجملها " الحديث. (وعن أبي مسعود) عقبة بن عامر الأنصاري (البدري) لنزوله بدرا لا لشهوده وقعتها (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: اللهم كما حسنت خلقي) بفتح فسكون (فحسن خلقي) بضمتين. قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ، هكذا من رواية عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي مسعود البدري ، وإنما هو ابن مسعود أي عبد الله ، هكذا رواه ابن حبان في صحيحه ، ورواه أحمد من حديث عائشة اهـ .

(وعن عبد الله بن عمرو) رضي الله عنهما (قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر الدعاء فيقول: " اللهم إني أسألك الصحة والعافية وحسن الخلق") قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بإسناد فيه لين اهـ .

قلت: ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: " اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر " . ورواه البزار في مسنده بلفظ " العصمة " بدل " الصحة " وفي الإسناد ابن أنعم الأفريقي وهو ضعيف .

(وعن أبي هريرة ) رضي الله عنه (عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كرم المؤمن دينه) أي: به يكرم ظاهرا وباطنا قولا وفعلا (وحسبه) محركة (حسن خلقه) . وفي رواية " وحسبه خلقه " أي ليس شرفه بشرف آبائه، بل بشرف أخلاقه . وقال الأزهري: أراد أن الحسب يحصل للرجل بكرم أخلاقه، وإن لم يكن له نسب ، وإذا كان حسيب الآباء فهو أكرم له (ومروءته عقله) لأن به يتميز عن الحيوانات ، وبه يعقل نفسه من كل خلق دنيء ، ويكفها عن شهواتها الردية وطباعها الدنية ، ويؤدي كل ذي حق حقه من حق الحق ، فليس المراد بالمروءة ما في العرف من جمال الحال والاتساع في المال بذلا وإظهارا ، فليس كل عاقل يكون له مال يتوسع فيه بذلا وعطاء. قال العراقي : رواه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم ، والبيهقي . قلت: فيه مسلم بن خالد الزنجي ، وقد تكلم فيه. قال البيهقي : وروي من وجهين آخرين ضعيفين ، ثم رواه موقوفا على عمر ، وقال: إسناده صحيح اهـ .

قلت: وكذلك رواه أحمد ، ورد الذهبي على الحاكم حين صححه بأن فيه مسلم بن خالد قال البخاري: منكر الحديث. وقال الرازي: لا يحتج به. ورواه العسكري في الأمثال بلفظ: " كرم الرجل تقواه" وقد أخذ أبو العتاهية معنى الحديث فقال:


كرم الفتى التقوى وقوته * محض اليقين ودينه حسبه والأرض طينته وكل بني
* حواء فيها واحد نسبه



(وعن أسامة بن شريك) الثعلبي صحابي تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح ، روى له الأربعة أئمة السنن (قال: شهدت الأعاريب) جمع الأعراب ، وهم سكان البادية (يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولون: ما خير ما أعطي العبد؟ قال: خلق حسن) رواه ابن ماجه . وقد تقدم في آداب الصحبة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا") رواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي هريرة : " إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا " ، وقد تقدم الحديثان في آداب الصحبة (وعن ابن عباس) رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ثلاث) أي: ثلاث خصال (من لم تكن) أي: لم توجد (فيه) خصلة (واحدة منهن ، فلا يعتدن) أي: لا يعبأن ، وفي نسخة فلا تعتدون (بشيء من عمله تقوى تحجزه) أي: تمنعه (عن معاصي الله) عز وجل (أو حلم يكف به السفيه) إذا سفه عليه (أو خلق) بضمتين (يعيش به بين الناس) قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف ، ورواه الطبراني في الكبير ، وفي مكارم الأخلاق من حديث أم سلمة بإسناد حسن اهـ .

قلت: لكن شيخ الطبراني إبراهيم بن محمد ضعفه الذهبي ، كذا قال الهيتمي ، ورواه البيهقي في الشعب عن الحسن البصري مرسلا ، بلفظ: " ثلاث

[ ص: 323 ] خلال من لم تكن فيه واحدة منهن كان الكلب خيرا منه ، ورع يحجزه عن محارم الله عز وجل ، أو حلم يرد به جهل الجاهل ، أو حسن خلق يعيش به في الناس
" .

(وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- في افتتاح الصلاة: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت") رواه مسلم من حديث علي، وقد تقدم في كتاب الصلاة (وقال أنس) رضي الله عنه: (بينما نحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما إذ قال " إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة") أي: يمحو أثرها ويقطع خبرها (كما تذيب الشمس الجليد) وهو الماء الجامد من شدة البرد لأن منافع المعروف لا تكون إلا من حسن الخلق ، والصنائع حسنات ، والحسنات يذهبن السيئات ، قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف ، ورواه الطبراني في الأوسط ، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وضعفه ، وكذا رواه من حديث أبي هريرة وضعفه أيضا اهـ .

قلت: ورواه ابن عدي أيضا من حديث ابن عباس ولفظه والبيهقي : " حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد " .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : من سعادة المرء حسن الخلق) أي: فإنه يبلغ به خير الدنيا والآخرة ، قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ، والبيهقي في الشعب من حديث جابر بسند ضعيف اهـ .

قلت: وكذا رواه القضاعي في مسند الشهاب ، وفيه الحسن بن سفيان قال أبو حاتم: صدوق تغير ، وقال البخاري: لم يصح حديثه عن هشام بن عمار ، وعند البيهقي والقضاعي زيادة: " ومن شقاوته سوء الخلق " وعندهما أيضا " من سعادة ابن آدم حسن الخلق ، ومن شقاوة ابن آدم سوء الخلق " وروى الخرائطي أيضا وابن عساكر من حديث جابر: " من شقوة ابن آدم سوء الخلق " .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : " اليمن حسن الخلق") أي: البركة والخير الإلهي فيه ، قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عائشة بسند ضعيف (وقال -صلى الله عليه وسلم- : لأبي ذر) الغفاري رضي الله عنه (يا أبا ذر لا عقل كالتدبير) أي: النظر في عواقب الأمور (ولا حسب كحسن الخلق) . قال العراقي : رواه ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي ذر اهـ .

قلت: ولفظهما: " لا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكف ، ولا حسب كحسن الخلق " وقد رواه البيهقي كذلك في الشعب ، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني ، قال أبو حاتم: غير ثقة . ورواه أبو الحسين القدوري في جزئه ، وابن عساكر ، وابن النجار من حديث أنس بلفظ: " لا عقل كالتدبير في رضا الله ، ولا ورع كالكف عن محارم الله ، ولا حسب كحسب الخلق " وفيه صخر الحاجبي وهو صخر بن محمد المنقري ، أورده في الميزان في ترجمته ، ونقل عن ابن طاهر أنه قال: إنه كذاب. وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل ، وساق له منها هذا الحديث .

(وعن أنس) رضي الله عنه (قال: قالت أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنها: (يا رسول الله أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا) يتزوجها واحد بعد واحد (فتموت) هي (ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما تكون هي؟ قال: " لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا ، يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة") قال العراقي : رواه البزار والطبراني في الكبير ، والخرائطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : إن المسلم المسدد) أي: الموفق (ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه وكرم ضريبته) أي: طبيعته (وفي رواية أخرى) ليدرك (درجة الظمآن في الهواجر) قال العراقي : رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمر ، وبالرواية في الكبير من حديث أبي الدرداء: " وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة " وهو قطعة من حديث " ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق " ، وقد تقدم قريبا (وقال عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس العبشمي رضي الله عنه قال أبو سعيد من مسلمة الفتح ، افتتح سجستان ثم سكن البصرة، ومات بها سنة خمسين أو بعدها ، روى له الأربعة: (كنا عند النبي صلى الله وسلم فقال: إني رأيت البارحة عجبا ، رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله

[ ص: 324 ] حجاب ، فجاء حسن خلقه فأدخله على الله)
عز وجل ، قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف .

(وقال أنس) رضي الله عنه: (قال -صلى الله عليه وسلم- : إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، وشرف المنازل ، وإنه ضعيف العبادة) . قال العراقي : رواه الطبراني في الكبير ، والخرائطي في مكارم الأخلاق ، وأبو الشيخ في كتاب طبقات الأصبهانيين بإسناد جيد .

(وروي أن عمر) رضي الله عنه (استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب ، ودخل عمر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- يضحك ، فقال عمر: مما تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- : عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب ، قال عمر) رضي الله عنه : (فأنت كنت أحق أن يهبن) أي: يخفن (يا رسول الله ، ثم أقبل عليهن عمر) رضي الله عنه (فقال) يخاطبهن: (أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقلن: نعم ، أنت أفظ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأغلظ) وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه ، والمقصود منه نفي الفظاظة والغلظة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك غير فجك) رواه البخاري ومسلم ، وتقدم في الكتاب الذي قبله ما رواه الحكيم عن عمر: " ما لقي الشيطان قط عمر في فج فسمع صوته إلا أخذ في غيره" .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : " سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة نتوج") أي: تنتج الشرور، قال العراقي : رواه الطبراني في الصغير من حديث عائشة: " ما من سيئ إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق ، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه " وإسناده ضعيف اهـ .

قلت: وبسياق المصنف أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق من حديث أنس (وقال -صلى الله عليه وسلم- : " إن العبد لا يبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم") قال العراقي : رواه الطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد ، وهو بعض الحديث الذي قبله بحديثين .

* (الآثار: قال ابن لقمان الحكيم لأبيه: يا أبتي ، أي الخصال من الإنسان خير؟ قال: الدين ، قال: فإذا كانتا اثنتين؟ قال: الدين والمال) أي: لأنه نعم العون له على الدين (قال: فإذا كانت ثلاثا؟ قال: الدين والمال والحياء ، قال: فإذا كانت أربعا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق ، قال: فإذا كانت خمسا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء) وهو بذل الموجود على من يستحق ، (قال: فإذا كانت ستا؟ قال: يا بني ، إذا اجتمعت فيه الخمس خصال) المذكورة (فهو تقي نقي لله ولي ومن الشيطان بري) فهذه الخمس خصال قد جمعت الأخلاق .

(وقال الحسن) البصري رحمه الله تعالى: (من ساء خلقه عذب نفسه) أي: أتعبها بسوء خلقه .

(وقال أنس بن مالك) رضي الله عنه: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة ، وهو غير عابد ، ويبلغ بسوء خلقه أسفل دركة في جهنم وهو عابد) وصله أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات الأصبهانيين بنحوه ، وتقدم قريبا ، وهو كذلك موصولا عند الخرائطي في مكارم الأخلاق .

(وقال يحيى بن معاذ) الرازي رحمه الله تعالى (في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق) والسعة فيها هو المشار إليه بالحديث الذي تقدم: " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " وكنوز الأرزاق هي إفاضات الخير من خزائن الرحمة الإلهية ، وعليه يدل ما رواه أبو الشيخ من حديث أبي موسى الأشعري: " الخلق الحسن زمام من رحمة الله ، والزمام بيد الملك ، والملك يجره إلى الخير ، والخير يجره إلى الجنة" .

[ ص: 325 ] (وقال وهب بن منبه) رحمه الله تعالى: (مثل السيئ الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا) أخرجه البيهقي في الشعب، (وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله تعالى (لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني سيئ الخلق) أخرجه البيهقي في الشعب ، وكان إبراهيم بن أدهم يقول: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله ، لأن المال عليه فيه زكاة وصلة أرحام ، وخلقه ليس عليه فيه شيء .

(وصحب) عبد الله (بن المبارك) رحمه الله تعالى (رجل سيئ الخلق في سفره فكان يحتمل منه) أي: مما يصدر من سوء خلقه (ويداريه ، فلما أن فارقه بكى ، فقيل له في ذلك فقال: أترحم عليه فارقته وخلقه معه لم يفارقه) فهذا من باب التذمم للصاحب في السفر، وهو من جملة مكارم الأخلاق .

(وقال) سيد الطائفة أبو القاسم (الجنيد) رحمه الله تعالى: (أربع) خصال (ترفع العبد إلى أعالي الدرجات وإن قل علمه وعمله الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق ، وهو كمال الإيمان) أي: بهن كماله ، وكلهن من مكارم الأخلاق .

(وقال) القشيري : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت حسين بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت أبا بكر (الكتاني) رحمه الله تعالى يقول: (التصوف خلق) من الأخلاق الشريفة (فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف) ، وأورده صاحب العوارف عن أبي زرعة ، عن أبي بكر بن خلف السلمي (وقال عمر رضي الله عنه: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال) ، وهذا قد وصله العسكري في الأمثال من حديث ثوبان: " خالطوا الناس بأخلاقكم وخالفوهم في أعمالكم " .

(وقال يحيى بن معاذ) الرازي رحمه الله تعالى: (سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات ، حسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات. وسئل ابن عباس) رضي الله عنه (ما الكرم؟ قال: ما بين الله في كتابه: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) أشار بذلك أن الكرم هو التقوى، لا بذل المال (قيل له: وما الحسب؟ قال: أحسنكم خلقا أفضلكم حسبا) أشار بذلك إلى أن الحسب ليس من الآباء، بل هو حسن الخلق ، ويدل لذلك الحديث المتقدم: " كرم المرء تقواه وحسبه حسن خلقه " (وقيل: لكل بنيان أساس) يقوم عليه (وأساس الإيمان حسن الخلق) ، وإليه يشير الحديث المتقدم: " حسن الخلق نصف الإيمان " .

(وقال) أبو العباس أحمد (بن عطاء: ما ارتفع من ارتفع) إلى الدرجات العالية (إلا بالخلق الحسن ، ولم ينل أحد كماله) أي: كمال الخلق (إلا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-) لقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم (وأقرب الخلق إلى الله السالكون آثاره بحسن الخلق) ، ولكل مجتهد في سلوكه من نصيب على قدر مقامه واستعداده ، ومما يناسب ذكره هنا ما أورده البيهقي في الشعب عن علي رضي الله عنه قال: التوفيق خير قائد ، وحسن الخلق خير قرين ، والعقل خير صاحب ، والأدب خير ميراث ، ولا وحشة أشد من العجب .



(تنبيه)

المراد بالخلق الحسن في هذه الأخبار والآثار ما يشمل الأمور المعنوية الصادرة عن الملكة النفسانية بسهولة من غير روية ، وقد جاء في بعض تلك الأخبار والآثار تسمية بعض ما يصدر عنها من خلال الكمالات التي ليست ملكات أخلاقا، ولا مانع من إطلاق الخلق عليها مجازا ، يصدر من تلك الملكة باعتبار كونه أثرها وسببا عنها سيما مع شيوع إطلاق السبب على المسبب وعكسه ، واسم الأثر على المؤثر وعكسه ، ولذلك تراهم يسمون كل خصلة جميلة صادرة عن الملكة خلقا إما على المجاز أو الحقيقة العرفية أو الشرعية ، والاسم الجامع للشعب الإيمانية والكمالات القلبية هو الخلق الحسن ، وتمام الكلام عليه في الذي يليه من تحقيق المصنف رحمه الله تعالى الذي ليس فوقه تحقيق قال رحمه الله تعالى .




الخدمات العلمية