الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وحكى أن حطيطا الزيات جيء به إلى الحجاج فلما دخل عليه قال : أنت حطيط ، قال : نعم سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال : إن سئلت لأصدقن ، وإن ابتليت لأصبرن ، وإن عوفيت لأشكرن .

قال : فما تقول في ، قال : أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة .

قال : فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، قال : أقول إنه أعظم جرما منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه .

قال فقال الحجاج ضعوا عليه العذاب .

قال فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئا .

قال فقيل للحجاج : إنه في آخر رمق فقال : أخرجوه فارموا به في السوق .

قال جعفر : فأتيته أنا وصاحب له فقلنا له حطيط ألك حاجة ؟ قال : شربة ماء ، فأتوه بشربة ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمة الله عليه وروي أن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها ، فجعل يسألهم وجعل يكلم عامرا الشعبي ، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما ، ثم أقبل على الحسن البصري فسأله ثم قال : هما هذان ، هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي ، وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن فأمر ، الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن .

فأقبل على الشعبي فقال : يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق ، وعامله عليها ، ورجل مأمور على الطاعة ، ابتليت بالرعية ولزمني حقهم ، فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم ، وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرده عليهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك النحو ، فيكتب إلي أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة .

فهل علي في هذا تبعة ، وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت ، قال الشعبي .

فقلت : أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطئ ويصيب قال: فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه وقال : فلله الحمد ، ثم أقبل على الحسن فقال : ما تقول يا أبا سعيد ، قال : قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ، ولزمني حقهم والنصيحة لهم ، والتعهد لما يصلحهم وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة ، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة ويقول : إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم ، وأن يرجعوا إلى طاعتهم ، فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو ، فيكتب إلي أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ، ولا أستطيع إنفاذ كتابه ، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين ، والله أحق أن يطاع ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأعرض ، كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل ، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفا لكتاب الله فانبذه يا ابن هبيرة اتق الله ، فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك ، وتقدم على ربك وتنزل على عملك ، يا ابن هبيرة إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك وإن يزيد لا يمنعك من الله ، وإن أمر الله فوق كل أمر ، وإنه لا طاعة في معصية الله ، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين .

فقال ابن هبيرة اربع على ظلعك أيها الشيخ ، وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل ، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به ، وما يعلمه من فضله ونيته .

فقال الحسن : يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط ، وغضب بغضب ، والله بالمرصاد ، يا ابن هبيرة إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلا يغرك ويمنيك .

فقام ابن هبيرة ، وقد بسر وجهه ، وتغير لونه .

قال الشعبي فقلت : يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته ، فقال : إليك عني يا عامر ، قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وجفينا ، فكان أهلا لما أدي إليه وكنا أهلا أن يفعل ذلك بنا .

فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا .

وقال لله عز وجل ، وقلنا مقاربة لهم .

قال عامر الشعبي : وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأحابيه .

التالي السابق


(وروي أن حطيطا الزيات) وكان من القوالين بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، (جيء به إلى الحجاج) بن يوسف (فلما دخل) عليه (قال: أنت حطيط، قال: نعم سل عما بدا لك فإنى عاهدت الله على المقام) ، وفي نسخة عند المقام (على ثلاث خصال: إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن، قال: فما تقول في، قال: أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة) بالكسر أي التهمة الباطلة، (قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، قال: أقول إنه أعظم جرما منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه، قال فقال الحجاج) لأتباعه: (ضعوا عليه العذاب) فعذبوه بأنواع العذاب (قال) الراوي: (فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب ثم جعلوه على لحمه ثم شدوه بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئا، قال فقيل للحجاج: إنه في آخر رمق، قال: أخرجوه) من الحبس (فارموا به في السوق) إهانة له (قال جعفر:) راويه (فأتيته أنا وصاحب له فقلنا حطيط ألك حاجة؟ قال: شربة ماء، فأتوه بشربة) فشرب (ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمه الله تعالى) . أخرجه ابن أبي الدنيا.

(وروي أن عمر بن هبيرة) والي العراق من قبل بني أمية وتقدم ذكره في مناقب أبي حنيفة من كتاب العلم (دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم وجعل يكلم عامرا الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده فيه علما، ثم أقبل على الحسن البصري فسأله، فقال: هما هذان، هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي، وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن، وأمر الحاجب فأخرج الناس وخلى الشعبي والحسن فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة، وقد ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم، وقد يبلغني عن العصابة) أي الجماعة من الرجال (من أهل الديار الأمر) الذي أكره (أجد عليهم فيه) لأجل ما يبلغني عنهم مما أكره، (فأقبض طائفة) أي جزءا (من عطائهم فأضعه [ ص: 71 ] فى بيت المال) تأديبا لهم، (ومن نيتي أن أرد عليهم) عطاءهم (فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي) أن (لا ترده) إليهم (فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة، وفي أشباهه من الأمور) التي تقع لي (والنية فيها على ما ذكرت، قال الشعبي فقلت: أصلح الله الأمير إنما السلطان والد) وأنت بمنزلة ولده، والوالد (يخطئ) على ولده (ويصيب قال: فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد، ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد، قال: قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله ورجل) مأمون (على الطاعة) والانقياد لأوامره (ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم والنصيحة لهم، والتعهد لما يصلحهم وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس (القرشي) العبشمي يكنى أبا سعيد (صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) أسلم يوم الفتح، وغزا خراسان في زمن عثمان، وهو الذي افتتح سجستان وكابل، ورجع إلى البصرة ونزلها، وبها مات سنة خمسين، وصلى عليه زياد بن أبي سفيان روى له الجماعة، (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة) .

قال العراقي: رواه البغوي في معجم الصحابة بإسناد لين، وقد اتفق عليه الشيخان بنحو من رواية الحسن بن معقل بن يسار اهـ .

قلت: وروى عبد الرزاق في المصنف وأحمد والطبراني وابن عساكر من حديث معقل بن يسار بلفظ: من استرعى رعية فلم يحطهم بنصيحة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة مائة عام، وعند الخطيب عنه بلفظ: من استرعى رعية فغشها لقي ربه وهو عليه غضبان. وعنده أيضا من حديث ابن سمرة بلفظ: أيما راع استرعى رعية، فلم يحطها بالأمانة والنصيحة ضاقت عليه رحمة الله التي وسعت كل شيء.

ويروى أيضا عن الحسن مرسلا بلفظ: من استرعاه الله رعية فمات وهو غاش لها أدخله الله النار. هكذا رواه الشيرازي في الألقاب، (وتقول: إني ربما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم، وأن يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو، فيكتب إلي أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع، ولا طاعة في معصية الله عز وجل، فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفا لكتاب الله فانبذه) أي ارمه، (يا ابن هبيرة اتق الله، فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك من سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك، يا ابن هبيرة وإن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين، فقال ابن هبيرة) للحسن: (اربع على ظلعك أيها الشيخ، وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ولاية أمر هذه الأمة لعلمه به، وما يعلمه من فضله ونيته، فقال الحسن: يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط، وغضب بغضب، والله بالمرصاد، يا ابن هبيرة إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلا يغرك ويمنيك، فقام ابن هبيرة، وقد بسر وجهه، [ ص: 72 ] وتغير لونه، قال الشعبي فقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته، فقال: إليك عني يا عامر، قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف) من الهدايا، (وكانت له المنزلة) العالية (واستخف بنا وجفينا، فكان أهلا لما أدي إليه وكنا أهلا أن يفعل بنا ذلك، فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي) الجيد (بين المقاريف) جمع مقرف كمحسن الذي أصوله ردية، (وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا) أي ظهر، (وقال) ما قال (لله عز وجل، وقلنا) ما قلنا (مقاربة لهم) أي تقربا لخاطرهم، (قال الشعبي: وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأحابيه) .

وقد روى هذه القصة المزني في تهذيب الكمال في ترجمة الحسن من طريق علقمة بن مرثد قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن والشعبي، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه شهرا أو نحوه، فجاء عمر فسلم ثم جلس معظما لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلي كتبا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل تريان لي في متابعتي إياه فرجا، فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير فتكلم الشعبي، فانحط في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد، فقال: أيها الأمير قد سمعت ما قال الشعبي قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظا غليظا لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولن يعصمك يزيد من الله، يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله عز وجل إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بنظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة كانوا والله عن الدنيا وهي مقبلة أشد إدبارا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقاما خوفك الله تعالى، فقال: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ، يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله في طاعته كفاك بائقة يزيد، وإن تك مع يزيد على معاصي الله وكلك الله إليه، قال: فبكى عمر وقام بعبرته فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما فأكثر منها للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض إقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئا فجهلته، ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه .




الخدمات العلمية