الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسين .

أخلاقهم .

اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبيان أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه ، وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة متدينة تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته ، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء ، وهذه هدية من الله تعالى إليه ، وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل ، بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه وأول ، ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل ، مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا ، يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لا ، يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به ، والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوبا من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه ، فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا فصول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب .

ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع ، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد .

ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ، ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ، ولا يهتك ستره ، ولا يكاشفه ، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسروا أحد على مثله ، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ، ويعظم الأمر فيه ، ويقال له : إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ، ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين ، فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ، ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا ، فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية ، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح ، فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وأن ، ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها .

، وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ، ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب ، فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبيان ، بل على الأكابر أيضا ، وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ، ولا يمتخط ، ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ، ولا يضع كفه تحت ذقنه ، ولا يعمد رأسه بساعده ، فإن ذلك دليل الكسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ، ويمنع اليمين رأسا صادقا كان أو كاذبا ، حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ، ويمنع أن يبتدئ بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال ، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال ، وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان ، وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب ، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش ، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي ، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع .

ويخوف من السرقة وأكل الحرام ، ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية ، وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل وإن الدنيا كلها لا أصل لها إذ ، لا بقاء لها وإن ، الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر ، وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة ، وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان ، فإذا كان النشو صالحا ، كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر ، نبا قبله عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا ، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " قال سهل بن عبد الله التستري كنت وأنا ابن ثلاث سنين ، أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوما ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت ؟ : كيف أذكره قال ؟ : قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك : الله معي ، الله ناظر إلي ، الله شاهدي ، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال : قل في كل ليلة سبعة مرات ، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال : قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة فقلته : فوقع في قلبي حلاوته فلما كان بعد سنة ، قال لي خالي : احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر ، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين ، فوجدت لذلك حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوما : يا سهل من كان الله معه وناظرا إليه وشاهده أيعصيه ؟ إياك والمعصية ، فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بي ، إلى المكتب فقلت : إني لأخشى أن يتفرق على همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع ، فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين ، وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة ، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها فأتيت البصرة فسألت ، علماءها فلم يشف أحد عني شيئا فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن أبي عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم ، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ، ثم أفطر ليلة ، ثم خمسا ثم سبعا ثم خمسا وعشرين ليلة فكنت على ذلك عشرين سنة ، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر ، وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى .

.

التالي السابق


(بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول النشو ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم)

(اعلم أن الصبي أمانة) من الله تعالى (عند والديه) لأنه نعمة أنعم بها والداه (وقلبه الطاهر) عن كل كدر (جوهرة نفيسة) ثمينة (ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل نقش) كما أن كل جوهر ساذج مستعد لقبول كل نقش وصورة (ومائل إلى كل ما يمال به) خيرا أو شرا (فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه ، وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه) بأن يثبت مثل ذلك في صحائف أعمالهما (وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم به والوالي عليه) كيف لا (وقد قال الله تعالى) في كتابه العزيز: يا أيها الذين آمنوا ( قوا أنفسكم ) أي احفظوها ( وأهليكم نارا ) والأصل في الأهل القرابة ، وقد يطلق على الأتباع، والجمع الأهلون (ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا) بأن تصيبه (فبأن يصونه من نار الآخرة أولى ، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق) ومكارمها وصالحها (ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية) أي: سعة العيش

[ ص: 363 ] (فيضيع عمره في طلبها إذا كبر) على تلك العادة (ويهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره) وحيث قال: من أول أمره فهو منسحب على الأولية من حين ولادته إلى أن يفطم ، فلزم بيان ما يحتاج إليه في أثناء ذلك فنقول: إذ ولد المولود يجب أن يبدأ أول كل شيء بقطع السرة وهو جسم كالمصران متصل بسرته منه ، ويكون القطع فوق أربع أصابع ، وإنما وجب قطع هذا الجسم لأنه لو بقي على طوله لتعفن وتضرر الصبي برائحته ، وربما وصلت عفونته إلى السرة ، وإنما جعل القطع فوق أربع أصابع؛ لأنه لو كان أقل من ذلك لتألم المولود به تألما شديدا ، ثم بعد شدها يتبادر إلى تمليح البدن لتصلب بشرته ويقوى جلده ، فإن كان ذكرا ينبغي أن يكثر الملح؛ لأنه أحوج إلى صلابة البدن ليكون صبورا على ما يلقاه من المشقات بخلاف الأنثى ، ولا يملح أنفه ولا فمه ، ثم تغسله القابلة بماء فاتر وتنقي منخريه دائما بأصابع مقلمة الأظافر ، ويدعدع دبره لينفتح ، ثم في وقت القماط يشكل كل عضو على أحسن شكله بغمز لطيف ، ثم يعمم أو يقلنس بقلنسوة لطيفة مهندمة على رأسه ، وينوم في محل معتدل مائل إلى الظلمة حفظا لروحه الباصرة ، ويغطى المهد بخرقة إسمانجونية ، والطفل يبكي إما لوجع يناله أو حر أو برد أو جوع أو من قمل وبراغيث وبق يؤذيه ، فإن كان شيء من ذلك ، فالواجب أن يبادر إلى دفعه ، وأما كيفية إرضاعه فإنه يجب أن يرضع ما أمكن بلبن أمه ، فإنه أشبه الأغذية بجوهر ما سلف من غذائه ، وهو في الرحم أعني طمث أمه ، فإنه بعينه هو المستحيل لبنا لاشتراك الرحم والثدي في الوريد الغاذي لهما ، ووقت الحمل يتوجه دم الطمث بالكلية إلى الرحم لغذاء الجنين ، وبعد انفصاله إلى الثديين لغذائه أيضا ، وهو أقبل لذلك وآلف حتى أنه صح بالتجربة أن إلقامه حلمة أمه عظيم النفع جدا في دفع ما يؤذيه؛ لأنه يلهيه ويشغله عما يؤذيه ، ومن الواجب مع ذلك أن يلزم الطفل على شيئين نافعين لتقوية مزاجه أحدهما بالتحريك اللطيف والآخر الموسيقى والتلحين الذي جرت به العادة لتنويم الأطفال ، فالتحريك سبب انتعاش الحرارة الغريزية ، والتلحين يوقف على استعداده للرياضة ، وإن منع من إرضاعه لبن والدته مانع من ضعفها أو فساد لبنها أو ميلها إلى الترفه ، فينبغي أن يختار له مرضعة ، وإليه أشار المصنف بقوله: (فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة) يكون سنها ما بين خمس وعشرين سنة إلى خمس وثلاثين سنة ، فإن هذا سن الشباب والصحة ، وتكون حسنة اللون؛ لأن ذلك تابع لاعتدال مزاجها ، وتكون ناعمة البشرة قوية العنق واسعة الصدر متوسطة في السمن والهزال لحمانية لا شحمانية (صالحة) حسنة الأخلاق محمودتها بطيئة الانفعالات النفسانية الرديئة من الغضب والغم والجبن وغير ذلك ، فإن جميع ذلك يفسد المزاج ، وتكون (متدينة) ملازمة على أمور دينها من كل ما يجب عليها (تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث) .

والطفل يعدى بالرضاع ؛ ولذلك ورد النهي عن استرضاع المجنونة ، ثم إذا جعلت ثناياه تظهر نقل إلى الغذاء الذي هو أقوى من غير أن يعطى شيئا صلب المضغ ، وبالجملة فتدبير الأطفال هو التركيب بمشاكلة مزاجهم لذلك ، والحاجة إليه في تغذيته ونموه ، والرياضة المعتدلة في الكيف الكثيرة في الكم كالطبيعي لهم ، وكأن الطبيعة تتقاضاهم بها ، وذلك لاحتياجهم إليه لدفع الفضول المجتمعة ولا سيما إذا جاوزوا الطفولة إلى الصبا ، ثم إذا فطم نقل إلى ما هو جنس الأحشاء واللحوم الخفيفة ، ويجب أن يكون الفطام بالتدريج لا دفعة واحدة ، والمدة الطبيعية للرضاع سنتان؛ لأنها مدة نبات أكثر أسنانه ، وتصلب أعضائه ، حتى يقبل غير اللبن من الأغذية ، وإذا أخذ ينهض ويتحرك ، فلا ينبغي أن يمكن من الحركات العنيفة ، وإذا جعلت الأنياب تتفطر منعوا أكل صلب المضغ، والغرض المقدم في معالجة أمراض الصبيان هو تدبير المرضعة؛ لأن من خواص الأطفال أن يكون علاجهم بوجهين أحدهما بتدبير أنفسهم وثانيهما بتدبير مرضعتهم ، وهو مقدم بالفضيلة على تدبيرهم ، فإذا انتقلوا إلى سن الصبا يجب أن تكون العناية مصروفة إلى مراعاة أخلاق الصبي ، وذلك بأن يحفظ كيلا يحدث له غضب أو خوف شديد أو غم شديد ، وذلك بأن يتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه ويحن إليه

[ ص: 364 ] فيقرب إليه ، وما الذي يكرهه فينحى عن وجهه ، وفي ذلك منفعتان: إحداهما: في نفسه بأن ينشأ من الطفولة حسن الأخلاق ، ويصير ذلك ملكة له لازمة ، والثانية: لبدنه فإنه كما أن الأخلاق الرديئة تابعة لأنواع سوء المزاج ، فكذلك إذا حدثت من العادة استتبعت المزاج المناسب ، فإن الغضب يسخن جدا والغم يخفف جدا والتبليد يرخي القوى النفسانية ، ويميل المزاج إلى البلغمية (ومهما بدا فيه مخايل التمييز) .

وهو إذا دخل في ست أو سبع (فينبغي أن يحسن مراقبته ، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء) فيه (فإذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض الأفعال) وذلك عند رؤية من يحتشم منه (فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى رأى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحيي من شيء دون شيء ، وهذه) الحالة إذا تيسرت فيه (هدية من الله تعالى إليه ، وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ) وهذه الحالة كالدلالة عليه ، (فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل ، بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه ، فأول ما يغلب عليه من الصفات) الخبيثة (شره الطعام) أي: الحرص عليه (فينبغي أن يؤدب فيه) على أدب الشرع (مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ، ويقول: بسم الله عند أخذه ، ويأكل مما يليه) منفردا أو مع جماعة (ولا يبادر إلى الطعام قبل غيره) بل يصبر عن مد اليد حتى يمد غيره ، (ولا يحدق إلى الطعام) أي: لا يطيل بحدقته إليه (ولا إلى من يأكل ، ولا يسرع في الأكل ، ويمضغ الطعام مضغا جيدا) بأسنانه (ولا يوالي) أي: لا يتابع (بين اللقم) فإن كل ذلك من أمارات الشره ودناءة النفس والهمة ، فينبغي أن يجنب من ذلك (ولا يلطخ يده) بالطعام غير أصابعه الثلاثة (ولا ثوبه) بأن يتساقط عليه شيء منه ، فإن كلا منهما يدلان على الدناءة (ويعود الخبز القفار) أي: اليابس وحده (في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم) معه (حتما) لازما (ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه من يكثر الأكل بالبهائم) فإنه بتمييزه يدرك أن التشبه بالبهائم مسترذل .

(ثم بأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل) فتراه أبدا يميل إلى الممدوح ، ويهرب من المذموم (ويحبب إليه الإيثار بالطعام) للغير (وقلة المبالاة به ، والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان) وعدم الميل إلى اللين منه ، (ويحبب إليه من الثياب) في اللبس (البيض دون الملون) بالألوان المختلفة (و) دون ثياب (الإبريسم) والخز (ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين) المتشبهين بالنساء (وإن الرجال يستنكفون منه) ويعرضون عنه (ويكرر عليه ذلك) حتى يرسخ في ذهنه (ومهما رأى على صبي ثوبا من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكر) منه (ويذم) ذلك ، ويأمره بخلعه .

(ويحفظ الصبي عن) معاشرة (الصبيان الذين عودوا التنعم والترفه ولبس الثياب الفاخرة) فإن ذلك يحمله على أن يكلف أبويه بمثل لبسهم ، (و) يحفظ أيضا (عن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه ، فإن الصبي إذا أهمل في ابتداء نشوه خرج في الأكثر رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لجوجا ذا فضول) في الكلام (وضحك وكياد) أي: مكايدة (ومجانة) أي: صاحب مجون وهو الهزل من الكلام (وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب) والتعليم .

(ثم ينبغي أن يشتغل في المكتب) عند المؤدب (بتعلم القرآن) أولا بترتيبه المعهود في بلده من تقديم حروف الهجاء أفرادا ثم تركيبا (وبأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم) ثانيا (لينغرس حب الصالحين في قلبه) ، فينشأ

[ ص: 365 ] عليه (ويحفظ من قراءة الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله) وحكاياتهم ، وما جرى لهم ، فإن ذلك يحمله على التشبه بهم تكلفا (ويحفظ أيضا عن مخالطة الأدباء الذين يزعمون) أنهم شعراء، و (إن ذلك من الظرف ورقة الطبع ، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد) ويعسر إزالته بعد (ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود) يرتضى (فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ، ويمدح بين أظهر الناس) فإن ذلك يحببه إلى الفعل الجميل ويبثه في مركوزة عقله (فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ، ولا يهتك ستره ، ولا يكاشفه ، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ، فإن إظهار ذلك ربما يفيد جسارة) عليه (حتى لا يبالي بالمكاشفة بعد ذلك) بين الناس ، (فإن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ، ويعظم الأمر فيه ، ويقال له: إياك أن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ، ولا يكثر القول عليه بالعتاب في كل حين ، فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ، ويسقط وقع الكلام من قلبه) لكونه يتعود على ذلك .

(وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا) لتكون هيبته في قلبه دائما (وينبغي للأم أن تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح) إذ الصبي يهاب الأب أكثر من الأم لكثرة شفقتها عليه طبعا، (وينبغي أن يمنع النوم نهارا ، فإنه يورث الكسل و) الفتور في الأعضاء (ولا يمنع منه ليلا) إذ السهر في حقه مضر (ولكن يمنع الفرش الوطيئة) اللينة (حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسخف بدنه) أي: لا يرق (فلا يصبر عن التنعم) فيما بعد ، (بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم) حتى لا يبالي بما تيسر منها (وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية ، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح ، فإذا ترك) على ذلك (تعود فعل القبيح) وهان عليه ارتكابه (ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل) ولا تجتمع الفضلات في المعدة ، ولا تنحبس الأبخرة في الأعضاء والعروق (ويعود أن لا يكشف أطرافه) بين يدي أحد (ولا يسرع المشي) بل يكون على وقار (ولا يرخي يديه) ولا يلعب بهما (بل يضمهما إلى صدره) فإنه أقرب إلى الأدب .

(ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه من مال أو متاع أو شيء من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته) فإن هذا مما يورث العجب فيه (ويعود التواضع والإكرام لكل من عاشره) وصاحبه (والتلطف في الكلام معه) مع غض البصر ، (ويمنع أن يأخذ من الصبيان شيئا بدا له حشمة) ورياسة (إن كان من أولاد المحتشمين) أي: الرؤساء ذوي الثروة والأمر، (بل يعلم أن الرفعة في العطاء) للغير (لا في الأخذ) من الغير، (وأن الأخذ لؤم وخسة) ودناءة .

(وإن كان من أولاد الفقراء فيعلم أن الأخذ والطمع مهانة ومذلة ، وإن كان ذلك من دأب الكلب) الذي هو أخس الحيوانات (فإنه يتبصبص في انتظار لقمة ، وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب) النقدين (الذهب والفضة والطمع فيهما ، ويحذر منهما أكثر من التحذير من الحيات والعقارب ، فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أكثر من آفة السموم على الصبيان، بل على الأكابر أيضا ، وينبغي أن يعود أن لا يبزق في مجلسه ، ولا يمتخط ، ولا يتثاءب في حضرة غيره) فإن غلب عليه فليكظمه (ولا يستدبر غيره)

[ ص: 366 ] في المجلس (ولا يضع رجلا على رجل ، ولا يضرب كفه تحت ذقنه ، ولا يعمد رأسه بساعده ، فإن ذلك دليل الكسل) وهو مذموم (ويعلم كيفية الجلوس) كيف يجلس وهو أن يكون جلوسه أبدا على ركبتيه كما يجلس في الصلاة ، ولا يرفع إحدى ركبتيه ولا متربعا ولا متوركا (وينبغي أن يمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة) وقلة الحياء (وأنه عادة أبناء اللئام ، ويمنع اليمين) أي: الحلف (رأسا) أي: مطلقا (صدقا وكذبا ، حتى لا يتعوده في الصغر ، ويمنع من أن يبتدئ بالكلام) وإنما يكون الابتداء من الغير ، (ويعود أن لا يتكلم إلا جوابا) للكلام (و) أن يكون مختصرا (بقدر السؤال ، وأن يحسن الاستماع) للكلام (مهما تكلم غيره ممن هو أكبر سنا منه) ولو بقليل (وأن يقوم لمن هو فوقه) في السن والفضل (ويوسع له المكان ويجلس بين يديه) متواضعا (ويمنع من لغو الكلام وفحشه) وسقطه (ومن اللعن والسب) والهزل (ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء) فيتأثر فيه (وأصل تأديب الصبيان الحفظ من القرناء السوء) فإن ضررهم أكثر (وينبغي إذا ضربه المعلم) أحيانا على قصد التأديب (أن لا يكثر الصراخ والشغب) أي: رفع الصوت (ولا يستشفع بأحد) ولا يحلفه ولا يكثر عليه اللجاج (بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال ، وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان ، وينبغي أن يؤذن له بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في الملعب ، فإن منع الصبي) من اللعب (وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل زكاءه) ويبلد فهمه (وينغص العيش عليه ، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا) إما بالهروب أو بإظهار المرض أو غير ذلك ، . (وينبغي أن يعلم طاعة والديه) والبر بهما (و) طاعة (معلمه ومؤدبه) والبر به (وكل من هو أكبر سنا منه من قريب وأجنبي ، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم) والمهابة (وأن يترك اللعب بين أيديهم) توقيرا لهم .

(ومهما بلغ سن التمييز ينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة) من الأحداث (والصلاة) فقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو: " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرقوا بينهم في المضاجع " . وروى أبو داود والطبراني من حديث سبرة الجهني بنحوه ، وروى الدارقطني من حديث أنس : " مروهم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لثلاث عشرة " (ويؤمر بالصوم في بعض الأيام من شهر رمضان) ليتعود عليه (ويجنب لبس الحرير والذهب) ويعلم أنه من حلية النساء (ويعلم كل ما يحتاج إليه) مثله (من حدود الشرع ويخوف من السرقة) خاصة ، فإن طبع الصبيان يميل إليها كثيرا (و) من (أكل الحرام ، ومن الكذب) في القول (و) من (الخيانة والغش وكل ما يغلب على الصبيان) من الأخلاق الرديئة .

(فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارن المبلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور) تفصيلا (فيذكر له أن الأطعمة أدوية ، وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على عبادة الله) تعالى (وأن الدنيا كلها) خيال (لا أصل لها ، لأنها لا بقاء لها ، وأن الموت يقطع نعيمها) ويكدر صفوها ، وأنها أي الدنيا (دار ممر) ومقلعة (لا دار مقر ، وأن الموت ينتظر في كل ساعة ، وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة) فيجعلها كالقنطرة يعبر عليها ولا يعمرها ويأخذ الأعمال الصالحة الواقعة بمنزلة الزاد الذي يبلغه في سفره منها للآخرة (حتى تعظم عند الله درجته وتتسع في الجنان نعمته ، فإذا كان النشو

[ ص: 367 ] صالحا ، كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا) في قلبه (مؤثرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر) فلا يكاد يمتحى منه (وإن وقع النشو بخلاف ذلك ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة) وقلة الحياء ، (وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر، نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس) فإنه لا يؤثر فيه شيئا (فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى) وتحافظ (فإن الصبي خلق بجوهره قابلا للخير والشر جميعا ، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه") رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وقد تقدم (قال) أبو محمد (سهل بن عبد الله التستري) رحمه الله تعالى (كنت ابن ثلاث سنين ، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار) البصري ، قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: هو مقبول من العاشرة أورده للتمييز بينه وبين محمد بن سوار الأزدي الكوفي من رجال أبي داود ، نقله القشيري في الرسالة قال: وكان يقوم الليل ، فربما كان يقول: يا سهل اذهب فنم فقد شغلت قلبي ، (فقال لي خالي يوما) : ولفظ القشيري : سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر الزاهد يقول: سمعت عبد الله بن عبد الحميد يقول: سمعت عبيد الله بن لؤلؤ يقول: سمعت عمر بن واصل البصري يحكي عن سهل بن عبد الله قال: قال لي خالي يوما: (ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي ، الله ناظر إلي ، الله شاهدي ، فقلت ذلك ليلي) وإنما خصه به عند تقلبه في ثيابه ، فإنه وقت الخلو عن الأشغال ، وخصه أن يقوله بقلبه؛ لأنه هو المفيد (ثم أعلمته) بما قلت (فقال: قل في كل ليلة سبع مرات ، فقلت ذلك) وفي الترقي بالتدريج ، (ثم أعلمته) حالي (فقال: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرة) ، وفيه أن أوتار الأعداد لها سر خاص ، ولهذا التدريج أشار مشايخ هذه الطريق ، لا سيما النقشبندية ، فإنهم يأمرون المريد بالذكر القلبي أولا ثلاث مرات ، ثم سبع ، ثم منهم من ينقله إلى تسع ، ومنهم من يرقيه إلى إحدى عشرة ، فإن لم يجد فتحا فليعد إلى الحالة الأولى (فقلت ذلك: فوقع في قلبي حلاوته) فصرت ألازمه في كل ليلة هكذا (فلما كان بعد سنة ، قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر ، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة) يشير إلى أنه يحصل له به حياة القلب والمعرفة ، وقلب العارف لا يموت بل لم يزل حيا في قلبه ، ولا ينقطع عنه المدد (فلم أزل على ذلك سنتين ، فوجدت له حلاوة في سري) أي: في باطنه (ثم قال لي خالي: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه ويشاهده كيف يعصيه؟) أي: كيف يعصيه وهو معه ورقيب عليه (إياك والمعصية ، فكنت أخلو،) أي: حبب إلي الخلوة عن الناس (فبعثوني إلى المكتب لأقرأ القرآن) (فقلت: إني لأخشى أن يتفرق علي همي) خشي من حصول التفرقة في الذكر (ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة) معلومة من النهار (فأتعلم ثم أرجع ، فمضيت إلى الكتاب وحفظت القرآن وأنا ابن ست سنين أو سبع ، وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير) إلى أن بلغت (اثنتي عشرة سنة ، فوقعت لي مسألة) في الدين دقيقة ، الظاهر أنها من أحوال القلوب والمعاملات مع الله تعالى (وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلي أن يبعثوا بي إلى البصرة ) أي: بلد خاله (أسأل عنه) فأجابوني إلى ذلك (فجئت إلى البصرة ، وسألت علماءها) عن تلك المسألة (فلم يشف أحد عني شيئا) أي: لم يأتوا بجوابها على النهج الذي يشفي به غليلي ، (فخرجت) منها ( إلى عبادان) وهي جزيرة قرب البصرة (إلى رجل) بها من الصالحين (يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العباداني

[ ص: 368 ] فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت منها إلى تستر) من أعمال الأهواز من كور فارس (فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق) محركة وهو مكيال، يقال: إنه يسع ستة عشر رطلا ، هكذا ذكروه ، (فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتا) أي: خالصا (بغير ملح ولا إدام ، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة) اعلم أنه بحساب كل أوقية في يوم يتحصل ثلاثون رطلا وكسر في السنة ، فإذا كان كل رطل باثنتي عشرة أوقية لا يطابق ما تقدم من قول أهل اللغة أن الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا ، وقيل: الفرق ستة وثلاثون رطلا ، وقيل: ثمانون رطلا ، وعلى كل حال لا ينطبق فتأمل ذلك ، ووجدت في بعض نسخ الرسالة من الشعير الغرق بالغين صفة للشعير ، وهو الذي قد أصابه البلل من الأرض وهو رخيص الثمن ، فإن صحت هذه النسخة فالمعنى واضح، (ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ، ثم أفطر ليلة ، ثم أطوي خمسا) ثم أفطر ليلة (ثم) أطوي (سبعا) وأفطر ليلة (ثم خمسة وعشرين ليلة) وقد تيسر له ذلك بالتدريج (وكنت على ذلك عشرين سنة، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر ، وكنت أقوم الليل كله) وقد أورد هذه الحكاية القشيري في الرسالة ، والمقصود من سردها هنا أن أوائل الأمور إذا روعيت تتبعها المناهي ، ألا ترى إلى سهل كيف صان نفسه وأدبها في أول نشوها بالزهد والتقليل والجوع والعزلة ، حتى نال ما نال. والله الموفق .




الخدمات العلمية