الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الرابع : تحذير المسلم من الشر فإذا رأيت فقيها يتردد إلى مبتدع ، أو فاسق ، وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره ، وذلك موضع الغرور إذ قد يكون الحسد هو الباعث ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق وكذلك من اشترى مملوكا ، وقد عرفت المملوك بالسرقة أو بالفسق ، أو بعيب آخر ، فلك أن تذكر ذلك ؛ فإن سكوتك ضرر المشتري ، وفي ذكرك ضرر العبد والمشتري أولى بمراعاة جانبه وكذلك المزكي إذا سئل عن الشاهد ، فله الطعن فيه إن علم مطعنا وكذلك المستشار في التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير لا على قصد الوقيعة فإن علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله : لا تصلح لك ، فهو الواجب وفيه الكفاية ، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه ، فله أن يصرح به إذ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترعوون : عن ذكر الفاجر ؟ اهتكوه حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس .

وكانوا يقولون : ثلاثة لا غيبة لهم : الإمام الجائر ، والمبتدع ، والمجاهر بفسقه .

التالي السابق


( الرابع: تحذير المسلم من) سراية الشر، فإذا رأيت (فقيها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق، وخفت أن تتعدى إليه بدعته) ، ويسري إليه شره، (فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غير، وذلك موضع الغرور) من الشيطان; (إذ قد يكون الحسد هو الباعث) لك (ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق) ، فيهلك نفسه بذلك، (فكذلك من اشترى مملوكا، وقد عرف المملوك بالسرقة والفسق، أو بعيب آخر، فلك) أيها البائع (أن تذكر للمشتري تصريحا؛ فإن في سكوتك ضرر المشتري، وفي ذكرك للعيب ضرر العبد) ، إذ لا يقدم المشتري على شرائه، فيكون كاسدا، (والمشتري أولى بمراعاة جانبه) من مراعاة جانب العبد، وإن كان في كل منهما مضارة، (وكذلك المزكي) في رواة الأخبار والشهادات (إذا سئل عن) تزكية (الشاهد، فله الطعن فيه) وجرحه (إن علم مطعنا) فيخبر بما يعلمه من الراوي أو الشاهد ليتقى خبره وشهادته، فيكون ذلك مباحا، نقله البيهقي عن شعبة ، (وكذلك المستشار في التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما عنده على قصد النصح للمستشير ) بأن فلانا لا يصلح لها، أو لا يصلح لأن يودع عنده شيء (لا على قصد الوقيعة فيه) ويشترط ألا يكون بين المستشار والمستشار فيه عداوة أو خصومة، (فإن علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله: لا تصلح لك، فهو الواجب، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه، فله أن يصرح به، قال صلى الله عليه وسلم: أترعون) بفتح همزة الاستفهام، وكسر الراء، من ورع يرع، كوعد يعد، أي: أتتحرجون وتمتنعون (عن ذكر الفاجر؟) المعلن بفسقه، الذي لا يبالي بما ارتكبه (اهتكوه) ، أي: اكشفوا حاله وارفعوا ستره (متى يعرفه الناس) فيحذرون منه، (اذكروه بما فيه) من الأوصاف الذميمة (حتى يعرفه الناس) [ ص: 556 ] فلا يغترون به، وبين بقوله: "بما فيه"، أنه لا يجوز ذكر فاسق بغير ما فيه، ولا بما لم يعلن به، وأشار بقوله: "يحذره الناس"، إلى أن مشروعية ذكره بذلك مشروطة بقصد الاحتساب، وإرادة النصيحة؛ دفعا للاغترار ونحوه، فمن ذكر أحدا من هذا الصنف تشفيا لغيظه، أو انتقاما لنفسه أو نحو ذلك من الحظوظ النفسانية، فهو آثم، صرح بذلك التاج السبكي عن والده قال: كنت جالسا بدهليز دارنا، فأقبل كلب، فقلت: اخسأ، كلب بن كلب، فزجرني الوالد من داخل البيت، فقلت: أليس هو كلب بن كلب؟ قال: شرط الجواز عدم قصد التحقير، فقلت: هذه فائدة. قال العراقي : رواه الطبراني وابن حبان في الضعفاء، وابن عدي من رواية بهز بن حكيم ، عن أبيه، عن جده دون "متى يعرفه الناس"، ورواه بهذه الزيادة ابن أبي الدنيا في الصمت. اهـ .

قلت: رواه الخطيب في رواية مالك من حديث أبي هريرة بلفظ: أترعون عن ذكر الفاجر أن تذكروه، فاذكروه يعرفه الناس . ثم قال: تفرد به الجارود ، وقال ابن أبي الدنيا في الصمت: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم ، حدثنا الجارود بن يزيد ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترعون عن ذكر الفاجر، متى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه يحذره الناس" . وكذلك أخرجه في ذم الغيبة، وأخرجه كذلك أبو يعلى والترمذي والحكيم في الثامن والتسعين من نوادر الأصول، والحاكم في الكنى، والشيرازي في الألقاب، والعقيلي والبيهقي والخطيب ، كلهم من طريق الجارود بن يزيد القشيري ، عن بهز ، قال الجارود : لقيت بهز بن حكيم في الطواف، فذكره لي، قال الحكيم والخطيب تفرد به الجارود عنه، وقال الحاكم : هذا غير صحيح، وقال البيهقي : ليس بشيء، وقال في المهذب كأصله: الجارود واه، وقال البخاري والدارقطني : هو متروك، وقد سرقه منه جمع، ورووه عن بهز ، ولم يصح في ذا شيء، منهم عمرو بن الأزهر ، عن بهز وسليمان بن عيسى ، عن الثوري ، عن بهز ، وسليمان وعمرو كذابان، وقد رواه معمر عن بهز ، أيضا أخرجه الطبراني في الأوسط، عن عبد الوهاب ، أخي عبد الرزاق ، وهو كذاب، وقال الطبراني : لم يروه عن معمر غيره، كذا قال، وقال أحمد : حديث منكر، وقال ابن عدي : لا أصل له، وقال الدارقطني في العلل: هو من وضع الجارود ، وقال العقيلي : ليس لهذا الحديث أصل يثبت، وفي الميزان أن أبا بكر الجارودي كان إذا مر بقبر جده الجارود قال: يا أبت، لو لم تحدث بحديث بهز لزرتك .

(وكانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم: الإمام الجائر، والمبتدع، والمجاهر بفسقه ) ، رواه ابن أبي الدنيا في الصمت، عن يوسف بن موسى ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: ثلاث كانوا لا يعدون من الغيبة.. فذكره، قال: وبلغني عن أحمد بن عمران الأخنسي ، حدثنا سليمان بن حيان ، عن الأعمش عن إبراهيم قال: ثلاثة ليس لهم غيبة: الظالم والفاسق وصاحب البدعة .

وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان بن عيينة قال: ثلاثة ليس لهم غيبة: الإمام الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته .




الخدمات العلمية