الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2671 42 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ; يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة كالشرح لمعنى الحديث ، وذلك أن المذكور فيها " فيسدد " وفي الحديث " فيستشهد " ، والشهادة إنما تعتبر على وجه التسديد وهو الاستقامة فيها ، وقال بعضهم : يظهر لي أن البخاري أشار في الترجمة إلى ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا " لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم وقارب . " الحديث انتهى ، قلت : الترجمة لا تكون إلا بما يدل على شيء من الحديث الذي وضعت الترجمة له ، فكيف تكون الترجمة هنا والحديث في كتاب آخر أخرجه غيره ؟ والإسناد المذكور بعين هؤلاء الرجال قد ذكر غير مرة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه النسائي فيه وفي النعوت عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) قوله : " يضحك الله " الضحك وأمثاله إذا أطلقت على الله يراد بها لوازمها مجازا ، ولازم الضحك الرضا . وقال الخطابي : الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله عز وجل ، وإنما هو مثل ضربه لهذا الصنع الذي هو مكان التعجب عند البشر ، وفي صفة الله تعالى الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين والقبول للآخر ، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة مع اختلاف أحوالهما وتباين مقاصدهما ، ومعلوم أن الضحك يدل على [ ص: 123 ] الرضا وقبول الوسيلة وإنجاح الطلبة ، فمعناه أن الله يجزل العطاء لهما لأنه هو مقتضى الضحك وموجبه ، أو يكون معناه تضحك ملائكة الله من صنيعهما لأن الإيثار على النفس أمر نادر في العادة مستغرب في الطباع ، وقال ابن حبان في صحيحه : يريد أضحك الله ملائكته من وجود ما قضى . وقال ابن فورك : أي يبدي الله من فضله توفيقا لهذين الرجلين ، كما تقول العرب : ضحكت الأرض من النبات إذا ظهر فيها ، وكذلك قالوا : للطلع إذا انفتق عنه كفري الضحك ، لأجل أن ذلك يبدو منه البياض الظاهر كبياض الثغر . وقال الداودي : أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضا عنهما .

                                                                                                                                                                                  قوله : " إلى رجلين " عدي بإلى لتضمنه معنى الإقبال ، يقال : ضحكت إلى فلان ، إذا توجهت إليه بوجه طلق وأنت عنه راض . قلت : هذا يدل على أن المراد بالضحك هنا الإقبال بالوجه . قوله : " يدخلان الجنة " في محل الجر ، لأنها صفة للرجلين ، وفي رواية مسلم من طريق همام عن أبي هريرة " قالوا : كيف يا رسول الله ؟ " قوله : " يقاتل هذا " جملة مستأنفة يدل عليه رواية مسلم هذه ، لأن المعنى قالوا : يا رسول الله ، كيف يدخلان الجنة ؟ فقال : " يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل " على صيغة المجهول ، وزاد في رواية همام " فيلج الجنة " " ثم يتوب الله على القاتل " أي فيسلم ، وفي رواية همام " فيهديه الله إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد " .

                                                                                                                                                                                  وقال أبو عمر : يستفاد من هذا الحديث أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة . وقال أيضا : معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرا ، قيل : هو الذي استنبطه البخاري في ترجمته ، ولكن لا مانع أن يكون مسلما لعموم قوله : " ثم يتوب الله على القاتل " كما لو قتل مسلم مسلما عمدا بلا شبهة ثم تاب القاتل واستشهد في سبيل الله عز وجل .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية