الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2886 249 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا أبو العميس ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر ، فجلس عند أصحابه يتحدث ، ثم انفتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اطلبوه واقتلوه ، فقتله فنفله سلبه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ; لأن الحديث في عين المشركين وهو جاسوسهم ، والترجمة في الحربي المطلق الذي يدخل بغير أمان ، وأجيب بأن العين المذكور في الحديث أوهم أنه ممن له أمان ، فلما قضى حاجته من التجسس انفتل مسرعا ، فعلموا أنه حربي دخل بغير أمان ; فلهذا قتل .

                                                                                                                                                                                  وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وأبو العميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ، واسمه عتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق ابن عبد الله الهلالي ، مر في كتاب الإيمان ، وإياس بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالسين المهملة ابن سلمة بفتح اللام ابن الأكوع .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد أيضا ، عن الحسن بن علي ، عن أبي نعيم ، وأخرجه النسائي في السير ، عن أحمد بن سليمان .

                                                                                                                                                                                  قوله " عين " أي جاسوس ، قوله : " في سفر " بينه مسلم فإنه أخرج الحديث في المغازي ، عن زهير بن حرب ، عن عمر بن يونس ، عن عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن ، يعني : حنينا ، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من جعبته ، فقيد به الجمل ، ثم تقدم فتغدى مع القوم وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة من الظهر وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم قعد عليه فاشتد به الجمل ، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء ، قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبتيه على الأرض ضربت رأسه فبدر ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه ، فقال : من قتل الرجل : قالوا : ابن الأكوع ، قال : له سلبه أجمع ، وعند الإسماعيلي فقال صلى الله عليه وسلم : علي بالرجل اقتلوه فابتدره القوم ، وفي رواية : قام رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه عين من المشركين ، فقال : من قتله فله سلبه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " ثم انفتل " أي ثم انصرف ، قوله : " اطلبوه واقتلوه " وفي رواية أبي نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني ، عن أبي العميس : أدركوه فإنه عين ، وفي رواية أبي داود : فسبقتهم إليه فقتلته ، وفاعل سبقتهم سلمة بن الأكوع ، وكذلك فاعل فقتلته ، قوله : " فقتله " أي فقتله سلمة ، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب ، والقياس فقتلته بالإخبار عن نفسه كما في رواية أبي داود ، وهكذا روي أيضا هنا ، قوله : " فنفله " أي فنفل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سلب هذا العين سلمة ، وفيه التفات أيضا ، والقياس فقتلته ونفلني سلبه أي أعطاه ما سلب منه ، وأما النفل في اصطلاح الفقهاء ما شرطه الأمير لمتعاطي خطر ، والسلب [ ص: 297 ] بفتح اللام مركب المقتول وثيابه وسلاحه وما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو في وسطه ، وما عدا ذلك فليس بسلب ، وكذلك ما كان مع غلامه على دابة أخرى .

                                                                                                                                                                                  وفيه قتل الجاسوس الحربي ، وعليه الإجماع ، وأما الجاسوس المعاهد أو الذمي فقال مالك والأوزاعي : يصير ناقضا للعهد ، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقه ، ويجوز قتله ، وعند الجمهور لا ينتقض عهده بذلك إلا أن يشترط عليه انتقاضه به ، وأما الجاسوس المسلم فعند أبي حنيفة والشافعي وبعض المالكية : يعزر بما يراه الإمام إلا القتل ، وقال مالك : يجتهد فيه الإمام ، وقال عياض : قال كبار أصحابه : يقتل ، واختلفوا في تركه بالتوبة ، فقال ابن الماجشون : إن عرف بذلك قتل وإلا عزر ، والله أعلم .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية