الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما التي لا يصح فيها العقد فهي الكتابة الفاسدة ، قد جمعت صفة ومعاوضة ، فالمغلب فيها حكم الصفة ، لأن قوله : قد كاتبتك على ألف معاوضة ، وقوله : فإذا أديت إلي آخرها فأنت حر عتق بصفة ، فإذا بطل العوض المسمى بأحد الأسباب التي تبطل بها الكتابة ، بقي حكم العتق بالصفة ، وتعلق بها ستة أحكام قد تخالف ما قدمناه من أحكام الفصلين ، وسطر المزني بعضها من بعد ، ونحن نستوفي شرحه عند ذكره بعد الإشارة إلى ما اقتضاه جميع الأحكام .

                                                                                                                                            فأحد الأحكام الستة : أن الصفة التي يتعلق بها العتق غير لازمة ، وللسيد إبطالها بنفسه ، أو بأن يرفعها إلى الحاكم فيبطلها ، فإن وجدت الصفة بعد إبطالها بنفسه ، أو بحكم الحاكم ، ودفع المال المتعلق بها لم يقع العتق بخلاف الصفات المحضة ، التي لا يجوز له إبطالها ، ويقع العتق بوجودها لأنه تبرع بالتزام العتق بالصفات المحضة ، فلم يقع إلا بها وهو في هذه الصفة المقترنة بالمعاوضة ، ملتزم لها على شرط العوض ، فإذا لم يسلم له بالفساد بطل اللزوم ، وصار موقوفا على خياره كالعيوب في البيوع ، وفارقا حكم الكتابة الصحيحة أيضا التي لا يجوز له فسخها ، لسلامة ما شرطه من العوض فيها .

                                                                                                                                            والثاني : أن البراءة لا تصح من هذا العوض لفساده ، وإنه لم يثبت في ذمته فلم يصح الإبراء منه بخلاف الكتابة الصحيحة ، وجرى مجرى قوله : إن دفعت إلي ألفا فأنت حر ثم أبرأه لم يبرأ .

                                                                                                                                            والثالث : أنه متى مات السيد بطلت الصفة ، ولم يعتق بالأداء إلى الورثة . وقال أبو حنيفة : لا تبطل ، ويعتق بالأداء إلى الورثة . وهذا فاسد من وجهين :

                                                                                                                                            [ ص: 170 ] أنها غير لازمة [ ما لم يلزم من العقود بالموت ، كما تبطل الكتابة بموت المكاتب لأنها غير لازمة ] من جهته .

                                                                                                                                            والثاني : أن فساد العوض يوجب تغليب حكم الصفة .

                                                                                                                                            والسيد إذا علق عتق عبده بصفة بطل حكمها بموته ، كذلك في الكتابة الفاسدة .

                                                                                                                                            والرابع : أن المكاتب يملك بها كسب نفسه ، لأنه قد يلزم فيها العوض بوقوع العتق ، فملك بها الكسب كالكتابة الصحيحة .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفليس في البيع الفاسد لا يملك النماء وإن ملكه في البيع الصحيح ، فهلا كان في الكتابة الفاسدة كذلك ؟

                                                                                                                                            قيل : الفرق الفاصل بينهما ، وهو أن المشتري لا يملك بالبيع الفاسد ما كان يملكه في البيع الصحيح ، فلذلك لم يملك النماء في البيع الفاسد ، وملكه في البيع الصحيح ، وليس كذلك الكتابة ، لأن المكاتب يملك بها في الكتابة الفاسدة من عتق نفسه بالأداء ، مثل ما كان يملكه في الكتابة الصحيحة ، فلذلك ملك كسب نفسه في الكتابة الفاسدة كما يملكه في الكتابة الصحيحة .

                                                                                                                                            والخامس : أن ما فضل في يد المكاتب بعد عتقه ملك له دون سيده ، لأنه قد كان على ملكه قبل عتقه .

                                                                                                                                            والسادس : أنهما يتراجعان بعد العتق فيرجع السيد على مكاتبه بقيمته يوم عتق ، ويرجع المكاتب على سيده بما أداه ، إنما كان كذلك لأنه قد استهلك عتق نفسه على بدل فاسد فصار كاستهلاك المشتري ما ابتاعه بعقد فاسد يلزمه قيمة ما استهلكه ، كذلك في الكتابة الفاسدة ، وإذا كان كذلك نظر في القيمة ، ومال الأداء ، فإن كانا من جنسين لم يقعا قصاصا وإن جاز أن يتناوبا .

                                                                                                                                            وإن كانا من جنس واحد ففي وقوع القصاص بينهما أربعة أقاويل نص الشافعي على جميعها في هذا الكتاب .

                                                                                                                                            أحدها : أنه يقع القصاص بينهما فيه ، وإن لم يتراضيا به لعدم الفائدة في تقابضه فصار كمن مات وعليه دين لوارثه برئت منه ذمة الميت بانتقال التركة إلى الوارث ، ولم يكن له بيعها في دينه لعدم الفائدة فيه ، لانتقال العين إليه .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنه يصير قصاصا برضى أحدهما وإن لم يرض الآخر ، لأن من [ ص: 171 ] عليه دين فله قضاؤه من أي ماله شاء ، وعلى كل واحد منهما دين لصاحبه فكان له قضاؤه من ماله ، أو من دينه .

                                                                                                                                            والقول الثالث : أنه يصير قصاصا بتراضيهما ، فإن أبى أحدهما لم يصر قصاصا كالحوالة التي لا تتم إلا برضى المحيل والمحتال .

                                                                                                                                            والقول الرابع : أنه لا يكون قصاصا وإن تراضيا ، لأنه يصير في معنى بيع الدين بالدين ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين .

                                                                                                                                            وكما لو تجانس الحقان وكانا من غير جنس الأثمان لم يقع القصاص كذلك إذا كانا من جنس الأثمان .

                                                                                                                                            فإذا تقررت هذه الأقاويل فإن قلنا : يكون قصاصا نظر في الحقين . فإن تساويا برئ كل واحد منهما من حق صاحبه ، وإن تفاضلا سقط الأقل من الأكثر ورد الفاضل . فإن كانت القيمة أكثر رجع السيد بالفاضل منها على مكاتبه ، وإن كان الأداء أكثر رجع العبد بالفاضل منه على سيده .

                                                                                                                                            وإن قلنا : لا يكون قصاصا كان لكل واحد منهما مطالبة الآخر بما عليه ، فإذا قبضه كان مخيرا في قضاء ما عليه من ذلك المال أو من غيره .

                                                                                                                                            فإن قال كل واحد منهما : لا أدفع ما علي حتى أقبض مالي ، كان لكل واحد منهما حبس ما لصاحبه على حقه ، ولم يترجح أحدها في تقديم القبض ، لاستوائهما في ثبوت الحقين في الذمتين . والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية