الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ودل كتاب الله عز وجل ، ثم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يفرض الجهاد على مملوك ولا أنثى ، ولا على من لم يبلغ : لقول الله تعالى وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله فحكم أن لا مال للملوك وقال حرض المؤمنين على القتال فدل على أنهم الذكور ، وعرض ابن عمر على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فرده ، وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه ، وحضر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة عبيد ونساء غير بالغين فرضخ لهم وأسهم لضعفاء أحرار وجرحى [ ص: 114 ] بالغين فدل على أن السهمان إنما تكون إن شهد القتال من الرجال الأحرار فدل بذلك أن لا فرض على غيرهم في الجهاد " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : من يسقط عنه فرض الجهاد ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : من يسقط عنه بعذر وإن كان في أهله ويأتي ذكرهم في الباب الآتي .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : من يسقط عنه : لأنه ليس من أهله .

                                                                                                                                            والفرق بين الضربين أن من سقط عنه بعذر أسهم له إذا حضر ، ومن سقط عنه لغير عذر لم يسهم له إذا حضر : اعتبارا بصلاة الجمعة ، أن من سقط فرضها عنه بعذر لزمته إذا حضرها ، ومن سقطت عنه بغير عذر لم تلزمه إذا حضرها : اعتبارا بالحج أن من سقط عنه فرضه - لأنه ليس من أهله - لم يجز إذا حج عن فرضه ، ومن سقط عنه بغير عذر أجزأه إذا حج عن فرضه .

                                                                                                                                            فإذا تقرر ما وصفنا ففرض الجهاد متوجه إلى من تكامل فيه أربعة شروط :

                                                                                                                                            أحدها : الحرية ، فإن كان عبدا أو مكاتبا أو مدبرا أو فيه جزء من الرق - وإن قل - فليس من أهل الجهاد ، ولا يدخل فيمن توجه إليه فرض الكفاية لقوله تعالى : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [ التوبة : 41 ] . وهذا خطاب لا يتوجه إلى المملوك : لأنه لا يملك ، فصار داخلا في قوله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج " [ التوبة : 91 ] لأن العبد لا يجد ما ينفق ، وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمررنا بقوم من مزينة ، فتبعنا مملوك لامرأة منهم فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : استأذنت مولاتك ؟ فقال : لا ، فقال : لو مت لم أصل عليك ، ارجع واستأذنها ، وأقرئها مني السلام ، فرجع فاستأذنها فأذنت له .

                                                                                                                                            وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أسلم على يده رجل لا يعرفه سأل : أحر هو أم مملوك ؟ فإن قال : أنا حر بايعه على الإسلام والجهاد ، وإذا قال : أنا مملوك بايعه على الإسلام ولم يبايعه على الجهاد ، ولأنه لا يسهم له ، ولو كان من أهل الجهاد أسهم له ، ولأن العبادة إذا تعلقت بقطع مسافة بعيدة خرج العبد من فر منها كالحج ، ولا ينتقض بالهجرة : لأن المسافة فيها هي العبادة ، والمسافة في الحج والجهاد يتعلق بها فر من العبادة وليست هي العبادة .

                                                                                                                                            والشرط الثاني : الذكورية ، فإن كانت امرأة أو خنثى مشكلا فلا جهاد عليها ، ولا يتوجه فرض الجهاد إليها لقول الله تعالى : ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال [ ص: 115 ] [ الأنفال : 65 ] . وإطلاق لفظ المؤمنين يتوجه إلى الرجال دون النساء ، ولا يدخلن فيه إلا بدليل ، وهو مذهب الشافعي .

                                                                                                                                            وروى معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجهاد قال : جهادك : الحج . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جهاد الكبير الضعيف والمرأة الحج والعمرة ، ولأن مقصود الجهاد القتال ، والنساء يضعفن عنه .

                                                                                                                                            روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة مقتولة ، فقال : ما بال هذه تقتل ولا تقاتل ولاستفاضة ذلك في الناس ، قال فيه الشاعر عمر بن أبي ربيعة وقد مر بامرأة مقتولة :


                                                                                                                                            إن من أكبر الكبائر عندي قتل بيضاء حرة عطبول     كتب القتل والقتال علينا
                                                                                                                                            وعلى الغانيات جر الذيول

                                                                                                                                            ولأنهن عورة يجب صونهن عن بذلة الحرب ، ولأنهن لا يسهم لهن لو حضرن ، ولو توجه الفرض إليهن لأسهم لهن .

                                                                                                                                            والشرط الثالث : البلوغ ، فإن كان صبيا فلا جهاد عليه ، ولا يتوجه فرض الكفاية إليه ، لقول الله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج [ التوبة : 91 ] وفي الضعفاء تأويلان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنهم الصبيان وهو أظهر .

                                                                                                                                            والثاني : المجانين ، ولم يرد بالضعف الفقر : لأنه قال : ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ولقول النبي ، صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى ينتبه : ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد زيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر يوم بدر لصغرهم .

                                                                                                                                            وروى نافع عن ابن عمر قال : عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة ، فردني ولم يجزني في القتال وعرضت عليه يوم الخندق ، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ؛ ولأن القتال تكليف ، والصبي غير مكلف ، ولأنه ذرية يقاتل عنه ، ولا يقاتل : ولأنه يضعف عن معرفة القتال ومقاومة الرجال : ولأنه لا يسهم له لو حضر .

                                                                                                                                            [ ص: 116 ] والشرط الرابع : العقل ، فلا يتوجه فرض الجهاد إلى مجنون ، ومن لا يصح تمييزه وتحريره لما قدمناه ؛ ولأن حضوره مفض لقلة تمييزه . إما إلى الهزيمة ، وإما إلى إلقاء نفسه إلى التهلكة ، وكلاهما ضرر .

                                                                                                                                            فإذا استكملت هذه الشروط الأربعة في مسلم ، كان من استكملت فيه من أهل الجهاد ، وتوجه فرض الكفاية إليه سواء كان يحسن القتال أو لا يحسن : لأنه إن كان يحسن القتال حارب ، وإن كان لا يحسن كثر وهيب أو تخلف عن الوقعة لحفظ رحال المحاربين ، فكان لخروجه معهم تأثير .

                                                                                                                                            ويجوز للإمام أن يأذن للعبيد في الجهاد إذا خرجوا مع ساداتهم أو بإذنهم .

                                                                                                                                            ويأذن في خروج غير ذوات الهيئات من النساء : لمداواة الجرحى ، وتعليل المرضى ، وإصلاح الطعام : فقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في غزواته ، ويأذن في خروج من اشتد من الصبيان : لأنهم أعوان ، ولا يأذن في خروج المجانين لأن خروجهم ضار .

                                                                                                                                            فأما البلوغ فقد ذكره الشافعي هاهنا ، وقد قدمنا شرحه في كتاب الحجر وغيره بما أغنى عن إعادته ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية