الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والقسم الثالث : أن يجعل لجميع من غزا معه ألف دينار فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون المال في الذمة ، فيدخل في الجعالة من المسلمين من غزا من المتطوعة دون مرتزقة أهل الفيء ، ويدخل فيها من المشركين أهل الذمة دون المعاهدين ، على ما ذكرنا في الجعالة المفردة ، ثم يقسم ذلك بين جميعهم من المسلمين ، وأهل الذمة ، على أعداد رءوسهم ، قلوا أو كثروا ، ولا يفضل مسلم على ذمي ، ولا من يسهم له على من لا يسهم له ، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لا يدخل فيها سيده : لأنه يعود على سيده ، ولا يملك فيصير سيده بذلك مفضلا على غيره ، ووجوب التسوية بينهم تمنع من التفضيل ، بخلاف الجعالة المفردة .

                                                                                                                                            وأما النساء فإن جعلت على القتال دخلن ، وإن جعلت على الغزو لم يدخلن كالجعالة المفردة .

                                                                                                                                            فأما الصبيان فإن لم يدخل فيها أولياؤهم لم يدخلوا كالجعالة المفردة ، وإن دخل فيها أولياؤهم دخلوا بخلاف الجعالة المفردة : لأن العقد في الجعالة الجامعة واحد فدخلوا فيه تبعا ، وفي المفردة عقود فلم يكونوا فيه تبعا .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون مال هذه الجعالة معينا فيقول : قد حصلت لجميع من غزا معي هذا المال الحاضر ، فيصح هذا سواء كان المال معلوما ، أو مجهولا : لأنه لما صح بالمعلوم لعدد مجهول صح بالمجهول ، ويكون الداخل في هذه الجعالة معتبرا بحكم المال ، وهو على ثلاثة أضرب :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون من مال الصدقات فيخرج المشركون من هذه الجعالة : لأنه لا حق لهم في مال الصدقات ، ويدخل فيها المتطوعة من المسلمين دون مرتزقة أهل الفيء ، ولا يجوز أن يسترجع منهم إن لم يغزوا : لأنهم أخذوا ما يستحقونه بغير جعالة .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون من مال المصالح وهو سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعد لمصالح المسلمين العامة ، فيدخل فيها متطوعة المسلمين ، وأهل الذمة من المشركين : لأنه مال يصح مصرفه إلى الفريقين ، فإن لم يغزوا استرجع ما أخذه المشركون ، ولم يسترجع ما أخذه المسلمون : لأنه مال مرصد لمصالح المسلمين دون المشركين .

                                                                                                                                            والضرب الثالث : أن يكون المال من أربعة أخماس الفيء ففي هذه الجعالة المعقودة به قولان من اختلاف القولين في وجوب مصرفه :

                                                                                                                                            [ ص: 136 ] أحدهما : أنها باطلة إذا قيل : إن مصرفه في الجيش خاصة : لأنه موقوف على أرزاقهم ، فإذا استوفوها لم يستحقوا غيرها ولم يستحقه غيرهم .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنها جائزة إذا قيل : إن مصرفه في المصالح العامة ودخل فيها من المسلمين من عدا مرتزقة أهل الفيء ، سواء كانوا من أهل الصدقات أو لا .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفليس أهل الصدقة ممنوعين من مال الفيء ؟

                                                                                                                                            قيل : إنما منعوا من أخذه بالفقر والمسكنة الذي يستحقون بهما الصدقة ، ولم يمنعوا من أخذه على عمل ، كما يجوز دفعه إليهم في بناء المساجد والحصون ، ولذلك دخل في هذه الجعالة الأغنياء والفقراء ، فأما المشركون فعلى ما قدمناه في دخول أهل الذمة فيها دون المعاهدين .

                                                                                                                                            فإذا تقرر حكم الداخلين في هذه الجعالة فغزا بها من أخرجه حكم الشرع منها لم يخل حاله من أن يكون عالما بالحكم أو جاهلا ، فإن كان عالما به كان متطوعا لا شيء له : مسلما كان أو كافرا ، وإن جهل حكم الشرع فيه ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يستحق جعالة مثله ، ولا يستحق أجرة مثله : لأنه دخل في جعالة فاسدة ، ولم يدخل في إجارة فاسدة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا شيء له : لأنه لم يدخل في الجعالة فيتوجه إليه حكم فسادها ، وقد كان يمكنه أن يستعمل حكم الشرع فيها فكان مفرطا وبغزوه متبرعا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية