الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولا أعلم أحدا من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف الذين يقاتلوه أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة ، فلا يقاتلون حتى يدعوا إلى الإيمان ، فإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى من قتله الدية " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، والكفارة ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : من بلغتهم دعوة الإسلام ، وهم من نعرفهم اليوم كالروم والترك ، والهند ، ومن في أقطار الأرض من الكفار ، ودعوة الإسلام أن يبلغهم أن الله تعالى بعث محمدا بالحجاز نبيا أرسله إلى كافة الخلق بمعجزة دلت على صدقه يدعوهم إلى توحيده وتصديق رسوله ، وطاعته في العمل بما يأمره به وينهاهم عنه ، وأنه يقاتل من خالفه حتى يؤمن به أو يعطي الجزية إن كان كتابيا ، فإن لم يفعل أحد هذين ، أو كان غير كتابي فلم يؤمن استباح قتله ، فهذه صفة دعوة الإسلام ، فإذا كانوا ممن قد بلغتهم هذه الدعوة ، لم يجب أن يدعوا إليها ثانية إلا على وجه الاستظهار ، والإنذار وجاز أن [ ص: 213 ] يبدأ بقتالهم زحفا ومصافة ، وجاز أن يبدأ به غرة وبياتا : قد شن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغارة على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع : فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ، وقال حين سار إلى فتح مكة : اللهم اطو خبرنا عنهم : حتى لا يعلموا بنا إلا فجأة : لما قدمه من استدعائهم ، فلم يعلموا به حتى نزل عليهم .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : من الكفار من لم تبلغهم دعوة الإسلام ، قال الشافعي : " ولا أعلم أحدا اليوم من المشركين ، من لم تبلغه الدعوة إلا أن يكن خلف الذين يقاتلوه أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة " .

                                                                                                                                            وهذا وإن كان بعيدا في وقت الشافعي ، فهو الآن أبعد : لأن الإسلام في زيادة تحقيقا لقول الله تعالى : ليظهره على الدين كله [ التوبة : 33 ] . فإن جاز أن يكون الآن قوم لم تبلغهم الدعوة لم يجز الابتداء بقتالهم إلا بعد إظهار الدعوة لهم واستدعائهم بها إلى الإسلام ، ودماؤهم قبل ذلك محقونة ، وأموالهم محظورة ، قال الله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ الإسراء : 15 ] . وقال الله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ النساء : 165 ] . وعلى هذا كانت سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المشركين .

                                                                                                                                            روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرا على جيش ، أو سرية وأمره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين وقال : إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، وإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية