الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما النفقة عليه بالمعروف فلأن في الزيادة سرفا وفي التقصير ضررا ، فلزم أن ينفق عليه قصدا بالمعروف من غير سرف ولا تقصير ، وكذلك ينفق على كل من تجب نفقته في ماله من والدين ومملوكين ، ثم يكسوه وإياهم في فصل الصيف والشتاء كسوة مثلهم في اليسار والإعسار ، ومن أصحابنا من قال : يعتبر بكسوة أبيه فيكسوه مثلها .

                                                                                                                                            وهذا غير صحيح ؛ لأن أباه قد ربما كان مسرفا أو مقصرا ، فكان اعتبار ذلك في الكسوة في يساره وإعساره عادة وعرفا أولى من اعتباره عادة أبيه .

                                                                                                                                            وإنما تعتبر عادة أبيه في صفة الملبوس إن كان تاجرا كسا كسوة التجار ، وإن كان جنديا كسا كسوة الأجناد ، ولا يعدل به عن عادة أبيه حتى يبلغ ويلي أمر نفسه فيغيرها إن شاء .

                                                                                                                                            فإن أسرف الولي في الإنفاق عليه ، ضمن زيادة السرف وإن قصر به عن العقد أساء ولم يضمن .

                                                                                                                                            [ ص: 346 ] فإن اختلف هو والولي بعد بلوغه في قدر النفقة فذلك ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يختلفا في قدر النفقة مع اتفاقهما على المدة كأنه قال : أنفقت عليك عشر سنين في كل سنة مائة دينار ، فقالت : أنفقت علي عشر سنين في كل سنة خمسين دينارا . فالقول فيه قول الولي ، إذا لم يكن ما ادعاه سرفا ، فإن كان الولي وصيا أو أمين حاكم فله إحلافه على ما ادعاه ، وإن كان أبا أو جدا ففي إحلافه له وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يحلف كالأجنبي ؛ لأنهما يستويان في حقوق الأموال .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يحلف ؛ لأنه يفارق الأجنبي في نفي التهمة عنه وكثرة الإشفاق عليه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يتفقا على قدر النفقة ويختلفا في قدر المدة ، كأنه قال : أنفقت عليك عشر سنين ، في كل سنة مائة دينار ، فقال : بل أنفقت علي خمس سنين ، في كل سنة مائة دينار .

                                                                                                                                            فعند أبي سعيد الإصطخري : أن القول قول الولي ، كاختلافهم في القدر مع اتفاقهما في المدة .

                                                                                                                                            وقال جمهور أصحابنا : بل القول قول اليتيم مع يمينه .

                                                                                                                                            والفرق بين اختلافهما في القدر وبين اختلافهما في المدة أنهما في القدر مختلفان في المال ، فقبل منه قول الولي ؛ لأنه مؤتمن عليه ، وفي المدة مختلفان في الموت الذي يعقبه نظر الولي ، فلم يقبل قول الولي ؛ لأنه غير مؤتمن عليه ، مع أننا على يقين من حدوث الموت في شك من تقدمه ؛ فلذلك افترق الحكم فيهما .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية