الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وإن دفنها في منزله ولم يعلم بها أحدا يأتمنه على ماله فهلكت ضمن ، وإذا أودعها غيره وصاحبها حاضر عند سفره ضمن ، فإن لم يكن حاضرا فأودعها أمينا يودعه ماله لم يضمن " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح متى ما لم يجد حاكما ولا ثقة يستودعها إياه فدفنها في الأرض ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون الموضع المدفونة فيه سابلا لا تحجير عليه يمنع من الوصول ، فدفنها في مثله عدوان يوجب الضمان ، سواء أعلم بها أحدا أو لم يعلمه ؛ لأن ما تصل إليه الأيدي معرض للتلف .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون الموضع حصينا حريزا كالمنازل المسكونة التي لا تصل اليد إليها إلا من أراد ، فلا يخلو حاله من أحد أمرين : إما أن يعلم بها أحدا ، أو لا يعلم بها [ ص: 361 ] أحدا ، فإن لم يعلم بها أحدا ضمنها ؛ لأنه قد ربما أدركته منيته فلم يوصل إليها ، فصار ذلك تغريرا ، وإن أعلم بها ثقة مؤتمنا صح وهل يراعي في الإعلام بها حكم الشهادة أو حكم الائتمان ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : حكم الشهادة ، فعلى هذا لا يجزئه أقل من شاهدين عدلين ، أو شاهد وامرأتين ويرى الشاهدان ذلك عند دفنه ليصح تحملهما لذلك ، فإذا فعل ذلك خرج عن التعدي وسقط الضمان عنه ولم يلزمه أن يأذن للشاهدين في نقلها عند الخوف .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة : أنه يراعى فيه حكم الائتمان ، فعلى هذا يجوز أن يعلم بها واحدا ثقة ، سواء كان رجلا أو امرأة ، ويجوز ألا يراها وهل يلزمه أن يأذن له في نقلها إن حدث بمكانها خوف أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يلزمه ذلك لما فيه من فضل الاستظهار ، فإن لم يفعل ضمن .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يلزمه ، لما في نقلها من التعريض للأخطار ، فإن نقلها المؤتمن عليها على هذا الوجه عند حدوث الخوف بمكانها ، ففي ضمانه وجهان من اختلافهم على هذا الوجه ، هل يكون إعلامه بها يجري مجرى الخبر ، أو مجرى الأمانة ؟ فأحد الوجهين أنه يجري مجرى الخبر ، فعلى هذا لا يجوز له نقلها ، فإن نقلها ضمن ، ويجوز أن يكون عبدا وأن يكون بعيدا عنها وليس له يد عليها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن يجري مجرى الأمانة ، فعلى هذا يجوز له نقلها ولا يجوز أن يكون عبدا ولا أن يبعد عنها وتكون يده عليها ، فأما إذا دفنها على ما وصفنا مع وجود حاكم مأمون ، أو عدل موثوق به يودعها عنده ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : لا يجوز ويضمن إن فعل .

                                                                                                                                            والثاني : يجوز ولا ضمان عليه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية